1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. الهجرة

العنصرية في كندا: أوجاع في كلمات

ملصق باللغة العربية كُتب عليه: ’’العنصرية في كندا، أوجاع في كلمات‘‘، ويحمل رسوماً لأشخاص ملونين.

أصوات كثيرة في كندا تندّد بالعنصرية العادية أو الممنهجة والحوادث العنصرية، وبعضها مأساوي.

الصورة: RCI

RCI

غالباً ما يُشار إلى كندا على أنها بلد هجرة، بلد منفتح على الاختلاف، ونصير للتعددية الثقافية. لكنّ أصواتاً متزايدة ترتفع في كندا لإدانة العنصرية العادية أو الممنهجة والحوادث العنصرية، وبعضها مأساوي.

أردنا إذاً إسماع أصواتِ بعضٍ من ضحايا العنصرية، إسماع الكلمات التي تروي الآثام والأوجاع.

يضمّ هذا الملف بضع شهادات لضحايا حوادث عنصرية في كندا. شهادات تظهر بوضوح المشاكل والمآسي التي قد يواجهها من ليسوا من ذوي البشرة البيضاء أو من يحملون أسماء تأتي من ’’الخارج‘‘، أكانوا مهاجرين أم مولودين في كندا.

شاب يصطاد السمك بالسنارة.

يان مافريك كيتيش، من سكان كندا الأصليين وينتمي لشعب الأتيكاميك في مقاطعة كيبيك.

الصورة: Fournie par Yan-Maverick Quitich

العنصرية، يان مافريك كيتيش إعتاد عليها

’’أنا فخور بكوني أتيكاميك (Atikamekw) من ماناوان (في منطقة لانوديير في مقاطعة كيبيك). زعيم صغير يعبّر عن نفسه بدقّة بالرغم من أنه فقد لغته الأم‘‘.

هذه الكلمات المليئة بالمعاني فقدت كلّ معانيها بالنسبة ليان مافريك كيتيش عندما تعرّض الشاب المنتمي للسكان الأصليين للعنصرية قبل عاميْن. وهو أدلى بشهادته لإذاعتنا بمناسبة اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري.

في 29 أيلول (سبتمبر) 2020 قدّمت جمعية الأمم الأوائل في كيبيك ولابرادور (APNQL) خطتها لمكافحة العنصرية والتمييز بحق السكان الأصليين. وقبل 24 ساعة على ذلك كانت جويس إتشاكوان، وهي من شعب الأتيكاميك من سكان كندا الأصليين، قد توفيت في ظروف مقلقة في مستشفى مدينة جولييت في مقاطعة كيبيك.

آخر الكلمات التي سمعَتها، وكانت موجَّهة إليها، كانت مُهينة وعنصرية. تقديم الخطة لم يكن نتيجةً لهذه الوفاة، فهو كان مقرَّراً منذ زمن طويل ليذكّرنا أنه بعد 400 سنة من التعايش آن الأوان ’’للعيش معاً بشكل أفضل‘‘.

وهذا أيضاً ما يذكّر به اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري. وهذا أيضاً ما يتمنّاه يان مافريك كيتيش، ابن الـ16 ربيعاً.

وُلد يان مافريك في أحد مجتمعات السكان الأصليين وترعرع في كنف عائلة ومحيط مُحبّيْن. وكان صغير السنّ عندما انتقلت العائلة إلى مدينة لا توك في منطقة موريسي الكيبيكية.

ويُشكّل السكان الأصليون نحو ربع سكان هذه المدينة البالغ عددهم الإجمالي نحو 11.000 نسمة. وعملية الاندماج سهلة. في صفوف المدارس يرتبط الأطفال من السكان الأصليين بسائر الأطفال بعلاقات صداقة دون مشاكل.

’’كانت تلك أجمل سنواتي في المدرسة الابتدائية‘‘، يتذكّر يان مافريك. ’’كوّنتُ صداقات مع الكثيرين من (رفاق الدراسة) البيض‘‘.

لفظة مهينة بحقّ السكان الأصليين

يحبّ يان مافريك لعبة الهوكي. في سنوات المراهقة مارس هذه الرياضة للترفيه، ضمن فرق الفئة ’’بانتام ب‘‘ (Bantam B). أعمار اللاعبين جميعاً تتراوح بين 13 و14 سنة. وخلال مباراةٍ ضدّ فريق من مدينة تروا ريفيير الكيبيكيية، التي تبعد نحو 165 كيلومتراً من مكان إقامته، أدرك، بصورة خشنة، ما تعنيه كلمة عنصرية.

شتمَه بدايةً مدرّب الفريق المنافس: ’’الـ’كاويش‘ (Kawish) اللعين لا يدع لاعب فريقي يفلت منه!‘‘. ثمّ جاءت الشتائم من بعض الأهالي والأحداث.

’’كاويش‘‘ كلمة ملتبسة الأصول، لكن ما تنطوي عليه ازدرائي بوضوح. هي موازية لكلمة ’’همجي‘‘ أو ’’متوحّش‘‘.

’’لم أكن أتوقع ذلك‘‘، يقول يان مافريك الذي لم يكن مهيئاً لتلقي شتيمة من هذا النوع. فجأة إنهار عالَمه، ومفاهيمه الثابتة كذلك. كان حزيناً ومحبطاً في الأيام والأسابيع التالية. ’’لم أعد أريد مزاولة الهوكي، وبدأتُ أنكر هويتي كإنسان من السكان الأصليين‘‘.

لكنّ رحلة إلى الغابة مع والدته للتحدث معها وإعادة تنشيط الذات كانت مفيدة له. ’’كوّنتُ لنفسي درعاً واقية بفضل أمي‘‘، يضيف يان مافريك.

وتعلّم يان مافريك كيف يدافع عن نفسه. ’’إذا شعرتُ أني أتعرض لهجوم أردّ بالكلمات الملائمة وليس باللكمات‘‘.

الكلمات الملائمة

’’في مكان ما في تاريخنا، نحن هنود حمر، نحن ’كاويش‘. أتيكاميك هو اسمي عند الولادة، إلى ما بعد الغابات التي تحيط بنا‘‘.

هذا المُقتطَف من أغنية من نوع ’’صلام‘‘ كتبها يان مافريك تردّدت أصداؤه في كانون الأول (ديسمبر) الفائت خلال حفلة لجمع التبرعات نُظّمت تكريماً لجويس إتشاكوان.

’’يروي نصّي ما نتعرّض له منذ اليوم الأول لوصول الرجال البيض‘‘، يشرح يان مافريك. ’’في البدء كنا جميعاً نعيش في وئام، كنا جميعاً أصدقاء. الآن لا أدري ما الذي تغيّر، (لكن) هكذا وصلت العنصرية‘‘.

وكتب يان مافريك نصّ ’’الهوية‘‘ (L'identité) الصيف الفائت، خلال أسبوع موسيقي نظّمه ’’مركز الصداقة للسكان الأصليين في لانوديير‘‘ (CAAL).

وفي فصل الصيف نفسه كان حضوره بارزاً خلال تظاهرة لحركة ’’حياة السود مهمّة‘‘ (Black Lives Matter). ورآه الناس مجدداً في أمسية على ضوء الشموع تكريماً لجويس إتشاكوان في تشرين الأول (أكتوبر) الفائت. كان حاضراً على الدوام ’’من أجل إخوتي وأخواتي من السكان الأصليين‘‘، على حدّ تعبيره.

كان يان مافريك قد وافق إذاً على إيصال رسالته بوضوح وصوتٍ عالٍ أمام آلاف الأشخاص آملاً بإحداث فارق وإظهار أنّ شخصاً من السكان الأصليين قادر على المجاهرة برأيه.

وتكررت التجربة منذ ذاك الحين. ’’دعاني بعض الأشخاص لتقديم عروض أُخرى. قرأتُ لهم كتابي فتأثروا جميعاً‘‘.

راقصة باليه تضع يديها على الأرض وتمد ساقها اليسرى نحو الأرض وتطوي ساقها اليمنى لتلمس الأرض.

فانيسا غارسيا عضو في فرقة الباليه الكندي الكبير (Les Grands Ballets canadiens) في مونتريال.

الصورة: Sasha Onyshchenko/Grands Ballets canadiens

فانيسا غارسيا، نجمة في مونتريال لم تُفقد العنصريةُ بريقَها

فانيسا غارسيا عضو في فرقة الباليه الكندي الكبير (Les Grands Ballets canadiens) في مونتريال منذ عام 2006. تسلقت كلّ درجات السلّم في هذه الفرقة الشهيرة من راقصة كور دي باليه (corps de ballet) إلى راقصة أولى. واليوم هي أيضاً من بين مُصمّمي الرقصات لفرقة الباليه الكندي الكبير.

فانيسا غارسيا مولودة في إسبانيا وخريجة الكونسرفاتوار الملكي للرقص الاحترافي في مدريد، وهي أدلت بشهادتها عن تجربتها مع العنصرية لراديو كندا الدولي.

’’أعلنتُ على الملأ أنّ متصيّداً إلكترونياً هاجمني على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً، وعندما حاولتُ إبلاغ المنصة عن حساب المتصيّد قالوا لي إنهم لا يستطيعون فعل أيّ شيء لأنّ الحساب لم ينتهك القواعد المتّبعة. صُعقتُ من شدة الألم.

كان الأمر صادماً ولكن في الوقت نفسه ليس بهذا القدر. كنتُ غاضبة من أنّه في زمننا هذا هناك أشخاص بهذه الذهنية والقيم الأخلاقية المشكوك فيها. كان الأمر مخيباً للآمال.

لكن في الوقت نفسه لم أكن متفاجئة لأنها لم تكن المرة الأولى التي أقع فيها ضحية شتائم عنصرية أو أعمال تمييز، وأنا متأكدة أنها لن تكون الأخيرة، مع الأسف.

لديّ مثل آخر من الماضي، من صفحة الآراء في صحيفة كبيرة. صاحب المقال كتب أنه لكي أستطيع تأدية دور رئيسي اضطررتُ لتشقير شعري وتفتيح لون بشرتي فكان لديّ ’كلّ ما لدى امرأة بيضاء‘.

بعد عدة محادثات، لم تخلُ من الصعوبات، مع الصحيفة والأشخاص المسؤولين عن نشر مقالات الرأي حصلتُ في النهاية على تصحيح…

لكنّ ذلك شكّل صدمة مؤلمة واكبتني على مرّ السنين، كغيمة سوداء فوق رأسي.

لم أسمع يوماً عن شخص أسود اتُّهم بالتنكّر كشخص ذي بشرة بيضاء (Whiteface).

وبصورة خاطئة علاوة على ذلك! كان (الكاتب) يسعى لإدانة عمل وصفه زوراً بأنه عنصري، فيما العنصري الوحيد في القصة كان هو نفسه.

هذا مثال واضح على ما يعنيه أن يُنظر إليك كإنسان ’مختلف‘ عن المعايير المعلَنة، كشيء غريب عجيب تصدر بحقه الأحكام باستمرار ويُستخدَم لإثارة الجدل.

لا أعرف ما الذي أفعله، لكني أجد نفسي دوماً في عين العاصفة، كموضع جدل ثقافي وعرقي، حتى وإن لم يكن لي أيّة علاقة بهذا الجدل… أكره ذلك!

لهذه التجارب بالتأكيد تأثير معيّن على عملي الذي تتطلب طبيعتُه حضوراً ملحوظاً في الفضاء العام وعلى منصات التواصل الاجتماعي. من المخيّب جداً التعرّض لانتقادات وأحياناً لشتائم، ليس للتشكيك بقدراتي وكفاءاتي كفنانة محترفة إنما للحكم عليّ على أساس مظهري الجسدي أو أصولي الثقافية.

من المحبط أن يكون عليّ دوماً أن أدافع عن نفسي وأبرّر نفسي فقط لأنّي داكنة البشرة. الكثير من الناس يختارون الحكم عليكم مسبقاً وتنفيرَكم قبل إعطائكم فرصة… إنها الحقيقة المُحزنة.

معظم الأشخاص البيض لا يتعيّن عليهم أن يعيشوا دوماً في خوف من التعرّض لاعتداء أو أن يكافحوا كلّ يوم من أجل حقّ عيش حياةٍ طبيعية بسلام.

من المحزن أن نرى أنه بالرغم من تعايش عدة ثقافات في كيبيك، لا يزال هناك وجود للعنصرية على عدة مستويات، مع تجاوب معيّن معها وقبول معيّن بها… وهذا مخيّب للآمال.

ولكن في الوقت نفسه أعلم أنّ في أماكن أُخرى من العالم مستوى العنصرية والعنف والتمييز هو حتى أسوأ، فأشكر الله لأنّي هنا، على الأقل، لا أخشى أن أُقتل لمجرّد خروجي إلى الشارع لشراء الخبز أو الذهاب إلى العمل.

لو كنتُ مقيمة في بلد آخر حالياً، لستُ متأكدة من أنّي كنتُ سأكون قطعتُ كلّ هذه المسافة في مسيرتي كراقصة ولكان عليّ ربما أن أعاني أكثر بكثير من الاعتداءات العنصرية، هذا مؤكَّد‘‘.

امرأة سوداء تحمل ميكروفوناً تلقي كلمة في تجمع.

بامفينيت بويزا تلقي كلمة في تجمع لـ’’حياة السود مهمة‘‘ في فانكوفر في 7 حزيران (يونيو) 2020.

الصورة: Thorn McGowan

بامفينيت بويزا تواجه العنصرية بسبب لون بشرتها في بريتيش كولومبيا

تُمثّل بامفينيت بويزا رياضة الرغبي في كندا على الساحة الدولية وفي الألعاب الأولمبية، وهي من سكان فيكتوريا، عاصمة مقاطعة بريتيش كولومبيا في أقصى الغرب الكندي.

وتشارك بويزا ذات الأصول الكونغولية في مكافحة العنصرية منذ الوفاة المأساوية للمواطن الأميركي ذي البشرة السوداء جورج فلويد على أيدي الشرطة في مدينته مينيابوليس في أيار (مايو) 2020. وفي هذا الإطار شاركت في عدة تظاهرات وأنشطة في بريتيش كولومبيا.

وتسعى بويزا أيضاً لاستخدام نفوذها كرياضية لإعطاء صوتها للمهمّشين الذين لا صوت لهم. وهي وافقت على إطلاع راديو كندا الدولي على تجربتها مع العنصرية في كندا.

’’المرة الأولى على الإطلاق كنتُ صغيرة السنّ جداً، كنتُ في دار الحضانة. وكما تعلمون، عندما نكون في دار الحضانة نكون في سنّ صغيرة جداً ولا يكون لدينا تصور محدَّد عن العرق والعنصرية. نكون مجرَّد أطفال.

كنّا نلعب في الملعب وأذكر ذات مرة كنا جالسين هناك وسألتني طفلة صغيرة، طفلة بيضاء صغيرة، ’لماذا أنتِ سوداء؟‘، فأجبتها ’لستُ أدري‘.

ثمّ، فجأةً، لفظتْ كلمة ’زنجية‘ (وهي بالإنكليزية أشدّ إيذاءً وتبدأ بحرف ’N‘)، مضيفةً ’هذا ما تقوله أمّي‘. لم أكن أعلم ما تعنيه الكلمة لكني كنتُ مدركة أنها مؤذية.

وكنتُ أكبر دون أن أفهم بالضرورة ما تعنيه تلك الكلمات التي وُصفت لي وأُطلقت عليّ، لكن بالنظر إلى ما كنتُ أشعر به أعتقد أنه كان صعباً عليّ أن أفهم تلك الكلمات وأن أعتاد على ثقلها.

لم تكن بالضرورة شيئاً أفهمه لكن كانت شيئاً تمّ استخدامه تاريخياً ليُحوَّل إلى سلاح ويدمّر الكثير من الأشخاص الذين يشبهونني ويؤذيهم.

وبالتالي، بالنسبة لي، قسمٌ كبير من هذا المفهوم عن العرق هو شيء كنتُ على الدوام شديدة الإدراك به، لاسيما عندما كنتُ صغيرة السنّ، وأنا أتنقل بين فضاءات مختلفة، خاصة إذا كانت ذات أكثرية بيضاء. في تلك الفترة أدركتُ أنّي مختلفة. ذات يوم عدت إلى المنزل وقلت لوالدتي ’’أمي، ذاك الولد ناداني بالكلمة التي تبدأ بحرف N‘‘. لكنّ والديّ لم يبدُوَا مندهشيْن. كانا مدركيْن للأمر.

وأذكر حديثاً دار لاحقاً (مع أهلي)، وكنتُ في سنّ السابعة على ما أظنّ. أذكر أنهما قالا لي ’’ذا أمر ستلاحظينه. سيكون عليك أن تعملي بجدّ‘، وبعد ذلك عبارات من نوع ’لا يمكنك أن تجري في كلّ مكان كلّ الوقت لأنهم سيرونك أكثر ممّا يرون أصدقاءك يَجرون في كلّ مكان. لذا ستكونين أنتِ من يواجه المتاعب، لا أصدقاؤك‘.

وهكذا أدركتُ أنه كان هناك نوع من ازدواجية المعايير. مرة أُخرى لم أكن أعلم من أين جاء ذلك، لكنه كان قد أصبح الواقع الذي عليّ التعامل معه فقط بسبب لون بشرتي.

وعلاوة على ذلك، كطفلة أكثر اهتياجاً بقليل من سواها، وكطفلة أكثر نشاطاً بكثير من سواها، أدركتُ أنّه شيء بات عليّ مواجهته والتعاطي معه بشكل غير متكافئ مع نظرائي البيض.

الامتيازات التي أتمتع بها (كرياضية) وفرص السفر والمشاركة في مباريات دولية توفر لي المزيد من الفرص لنشر الرسالة والتواصل مع الغير ومساءلة مختلف الجهات الفاعلة.

كان مهماً بالنسبة لي أن أفهم بشكل أفضل تعقيدات ما يعنيه أيضاً تمثيلُ كندا. أعتقد أنّي، في أغلب الأحيان، كنت أسير وأعمل وكنتُ لا أرى الأمور بوضوح لأني لم أكن متواجدة في فضاءات معينة.

كلما انخرطتُ أكثر في المجتمع ورأيتُ، خاصة في فيكتوريا، مشاكل مهمة ناجمة عن طرق تعاطينا مع بعضنا البعض، كلما أدركتُ ما يعنيه فعلاً تمثيل كندا في أعين شخص من مواطني هذا البلد لكن لا تصله مياه شرب نقية، على سبيل المثال.

هو إذاً شيء أحاول فعلاً الدفع به قُدماً في كلّ المجالات وليس فقط الرياضة: ’’كيف يمكننا إجراء المزيد من الحوارات التي لا أحتكر فيها الفضاء المتاح بل أُبرز فيها وأدعم من هم حولي وليسوا في تلك الفضاءات‘‘.

امرأة سوداء مبتسمة تقف أمام مبنى وحاوية ونرى أنّ الثلج يغطي الأرض.

فرانسيسكا مانديا.

الصورة: RCI

فرانسيسكا مانديا: شعاع أمل بعد عنصرية في الوطن الأم وفي الموطن الجديد

فرانسيسكا مانديا مولودة في زيمبابوي حيث واجهت العنصرية منذ سنواتها الأولى قبل أن تستقرّ في الشمال الكندي الكبير، وتحديداً في ايكالويت، عاصمة إقليم نونافوت، حيث تعرّضت للعنصرية مجدداً. وهذه شهادتها:

’’أوّل مرّة أُطلقت عليّ تسمية ’زنجية‘ (nigger) - وأقولها كاملةً لأنّه حتى الأطفال المتراوحة أعمارهم بين ستّ وثماني سنوات يدعونني هكذا - كنتُ مصدومة لأني كشخص قادم من إفريقيا لم يطلق عليّ أحد هذه التسمية، وصدّقوني لم تكن المرة الأخيرة.

كان صادماً أن يكون الشخص الذي رماني بهذه الكلمة بعمر طفلي. كانت تلك المرّة الأولى وصادفتْ يوم عيد الشكر.

بكيتُ، لم أفهم لماذا كانوا عدوانيين من خلال هذه المفردات ولماذا كانوا يتبعونني. لم أكن أعلم ماذا كانوا يريدون أن يفعلوا بي.

فوضعتُ منشوراً على موقع ’فيسبوك‘ قلتُ فيه ’أسمع كلّ تلك المفردات التي لا تصف من أكون. أنا لستُ حتى سوداء، الثوب الذي أرتديه هو الأسود. فلماذا أُشتم بهذا الشكل؟ لماذا يتمّ اتّباعي وترهيبي بهذا الشكل؟‘

أعتقد إذاً أنّه في داخل أعماقي، وفيما أريد القيام بالأمور بالشكل الصحيح، هناك بعض التجارب التي أعطتني الرغبة بإحداث تغيير.

ما فعلتُه هو أني قصدتُ مجتمعي المحلي ومددتُ يدي لأشخاص لا يشبهونني في إيكالويت سعياً مني لأكون مقبولةً منهم، وفي مسعى لأقول للعالم إنّي إنسان مساوٍ للآخرين، مع مساواةٍ في حقوق الإنسان والحقِّ في مساواةٍ في المعاملة.

مددتُ يدي لمجتمعي المحلي، لأناس لا يشبهونني، لباكستانيين وإينويت (من سكان كندا الأصليين ويشكلون غالبية سكان إيكالويت) وأفارقة من جامايكا وقوقازيين (بيض) من كلّ مكان، واجتمعنا.

وشاركتهم قصة، قصة قوس القزح، وهي عن التنوّع، وأسميناها ’كندافرسيتي‘ (Canadaversity، وهو اسم مستوحى من تعبير ’’التنوّع الكندي‘‘)، وقمنا بتأديتها خلال مهرجان ’’تونيك تايم‘‘ (Toonik Tyme، وهو احتفال سنوي بتقاليد شعب الإينويت وعودة فصل الربيع) قبل ثلاث أو أربع سنوات.

وكم تسلينا واستمتعنا! وجدنا أنفسنا في جوّ عارم من المحبة بعد العرض. لم يكن أحد يتكلم. كان الجميع يشعرون بالمحبة. لم أكن بحاجة لأن أعرفهم منذ زمن بعيد.

هذا هو التزامي بالمساهمة في المجتمع، بالسعي والعمل من أجل جعل الحياة أفضل لنا جميعاً.

لا أدّعي أني فهمتُ كلّ شيء. لم أزل أتعرّف على نفسي. كانوا يكرهونني، لم يزل الألم في داخلي. لكن يمكنني أن أؤكّد دون تردّد بأنّي ملتزمة بتخفيض الظلام في داخلي وإشعاع نوري الداخلي.

وهذا النور يتغذى من محبة غير مشروطة.

أقوم حالياً بتأسيس حركة للأمهات، علماً بأننا كأمهات، للدروس التي ننقلها إلى أولادنا تاثيرٌ على الحياة في هذا العالم، يمكنها تغيير العالم.

إذاً، كأمهات، تُعلِّمن الحقيقة. ما من أحد على هذه الأرض اختار أن يولد بالشكل الذي يبدو عليه‘‘.

شرطي يرتدي قناع وجه واقياً خلال عملية تفتيش مروري.

حاجز تفتيش لشرطة أوتاوا على أحد الجسور المؤدية إلى المدينة.

الصورة: Radio-Canada / Francis Ferland

حَسَن، تنميطٌ عرقيّ وتمييزٌ على أساس لون البشرة في أوتاوا

هناك سيارات تسبّب متاعب ميكانيكية لأصحابها، وهناك سيارات ممتازة من الناحية الميكانيكية لكنها تجلب متاعب من نوع آخر لسائقيها، خاصة إذا كانوا سود البشرة.

حسن (اسم مستعار) الإفريقي الأصل أخبرنا عن متاعب تسببت له بها قيادته سيارات فارهة.

يقيم حسن في أوتاوا منذ ربع قرن ويملك فيها متجراً لبيع السيارات المستعملة. وهو انتقل إلى عاصمة كندا الفدرالية بحثاً عن آفاق مهنية أفضل بعد إقامته نحو أربع سنوات في مونتريال، كبرى مدن مقاطعة كيبيك والتي تبعد عنها ساعتيْن بالسيارة.

قبل نحو خمسة عشر عاماً كان حسن يملك سيارة من ماركة ’’بي أم دبليو‘‘. أوقفته شرطة أوتاوا ذات يوم فيما كان يقود سيارته الألمانية الصنع وطلبت منه إبراز رخصة قيادته وأوراق ملكية السيارة، ففعل.

وتكرّرت الحادثة مرّتيْن أُخرييْن في غضون ثلاثة أشهر. وعندما كان يسأل دوريات الشرطة عن سبب توقيفه وسؤاله عن أوراقه، كان يتلقى إجابات من نوع ’’إنه تفتيش عادي‘‘ و’’تفتيش عشوائي‘‘ أو أنّ السبب هو أنّ ’’سيارات عديدة من ماركة ’بي أم دبليو‘ سُرقت في الآونة الأخيرة‘‘ ما يستدعي المزيد من التدقيق في أوراق من يقودون سيارات من هذه الماركة.

لكنّ حسن شعر أنّ توقيفه ثلاث مرّات خلال ثلاثة أشهر خلف مقود سيارة ’’بي أم دبليو‘‘ نابع من تنميط عرقي. فتوجّه إلى أحد مراكز الشرطة حيث أعرب عن استيائه ممّا حصل معه، لكنه سمع المبرّرات نفسها.

عندئذ قرّر حسن بيع سيارته الـ’’بي أم دبليو‘‘ لتجنّب ما اعتبره إفراطاً في المساءلة والتدقيق من قبل الشرطة.

وبعد ذلك أوقفته الشرطة مجدداً ذات يوم فيما كان يقود سيارة من ماركة ’’لكزس‘‘ كان أحد الأصدقاء قد أوكل إليه مهمة بيعها، فطلبت منه إبراز رخصة القيادة وأوراق السيارة اليابانية الفارهة. وبعد أن تحققت الشرطة من صحة الأوراق ومن مهنته كتاجر سيارات مستعملة دعته يكمل طريقه.

ومنذ ذلك الحين قرّر حسن عدم قيادة سيارات فارهة إلّا في حالات الضرورة المتصلة بعمله، بالرغم من قدرته على اقتنائها، وذلك تجنباً للمتاعب مع الشرطة.

ويروي حسن حادثة منفصلة حصلت قبل نحو أربع سنوات، في مدينته أوتاوا أيضاً، وقد تكون تعكس تمييزاً عنصرياً بحقه.

وقع حادث سير بين سيارته وسيارة أُخرى، فحضرت الشرطة. أخذت امرأة شرطية إفادة سائقة السيارة الأُخرى، وهي امرأة بيضاء، ولم تأخذ إفادته. سأل حسن الشرطية عن السبب، فأجابته أنها اكتفت بإفادة السائقة الأُخرى.

بعد ثلاثة أيام استلم حسن محضر مخالفة مرورية يفيد بأنّ حادث السير وقع بسبب عدم توقفه عند الضوء الأحمر وأنّ عليه تسديد غرامة تفوق قيمتها 400 دولار. نفى حسن ارتكابه هذه المخالفة وطعن بقرار الشرطة أمام المحكمة البلدية.

ويقول حسن إنّ القاضي لام الشرطية لأنها لم تأخذ إفادته عن حادث السير مكتفيةً بإفادة الطرف الآخر، لأنها عاقبته بغرامة مالية تفوق تلك التي كان يستحقها لو أنه ارتكب فعلاً المخالفة التي اتُّهم بها. ويضيف حسن أنّ القاضي أمر بإلغاء محضر المخالفة والغرامة المالية.

رجل أسود (يُرى من الخلف) يضع سماعات رأس يسير في قسم الأطعمة المجمدة في متجر بقالة. ونرى أمامه رجلاً، يبدو أنه أبيض البشرة، يدفع عربة.

رجل أسود (يُرى من الخلف) يضع سماعات رأس يسير في قسم الأطعمة المجمدة في متجر بقالة، وأمامه رجل، يبدو أنه أبيض البشرة، يدفع عربة.

الصورة: iStock / gorodenkoff

ألف بيل، ’’عنصرية بسبب المظهر‘‘

ألف بيل متخصص في العلاقات العامة ويقيم في منطقة تورونتو الكبرى. وصل إلى كبرى مدن كندا عام 2000 بموجب تأشيرة هجرة (إقامة دائمة). و’’ألف بيل‘‘ هو اسم مستعار، فصاحبه آثر، لأسباب خاصة، التكتّم عن اسمه في هذه الشهادة عن ’’العنصرية بسبب المظهر‘‘. إلّا أنّ راديو كندا الدولي، بموجب المعايير والممارسات الصحفية، يؤكّد صحة هذه الشهادة.

’’دخلتُ ذات يوم متجراً كبيراً في مالتون، وهو حيّ متنوع عرقياً في ميسيسوغا (في تورونتو الكبرى). في الواقع أظنّ أنه يضمّ أعلى كثافة من الجنوب آسيويين في منطقة بيل. كنتُ أحمل كيساً من النوع الذي يحمله الطلاب، معلقاً على إحدى كتفيّ، ولم يكن بداخله شيء تقريباً. كنتُ جائعاً وأنوي شراء بضع حبات من الموز وعلبة من لبن الزبادي. لكن عندما اتجهتُ إلى قسم الفواكه بدأتُ أشعر كما لو أنّ أحداً يسير خلفي بشكل متزامن‘‘، يقول ألف بيل.

’’ظننتُ أنّه من قبيل الصدفة أن يكون ذاك الشاب الأبيض، الذي أميل للاعتقاد بأنه من الناطقين بالإنكليزية، قد توقف بضع خطوات خلفي عندما توقفتُ… لكن عندما قصدتُ قسم منتجات الحليب رأيتُ أنه كان لا يزال خلفي. فسألته لماذا كان يتعقبني… أجابني، وقد تفاجأ قليلاً بسؤالي، أنه يعمل في المتجر ويودّ التحقق فقط من أني لن أضع شيئاً في كيسي وأخرج به دون تسديد الثمن، أي حالة سرقة معروضات!‘‘، يضيف ألف بيل.

ويُكمل ألف بيل قائلاً ’’سألتُه لماذا يحكم عليّ بشكل مُسبَق وما إذا كان ذلك بسبب مظهري الذي يوحي بأني مهاجر، فأجابني بالنفي. قال إنّ السبب هو أنّ أشخاصاً كثيرين قاموا بالسرقة في هذا المتجر مستخدمين أكياساً كالذي كنتُ أحمله. قلتُ له إنّ استعمال الأكياس، حسب علمي، ليس ممنوعاً في كندا، في أيّ مكان كان، وإنّ ذلك لا يشكّل سبباً كي يتعقبني ويزعجني‘‘.

’’قلتُ له أيضاً إني رأيتُ أشخاصاً لا يشبهون مهاجرين مثلي في هذا المتجر بالذات يحملون أكياساً دون أن يتعقبهم أحد… لم أستطع التحدث إلى المشرف على العمل في المتجر لأني كنتُ على عجلةٍ من أمري، كنتُ سأفوّت الباص وكان عليّ المغادرة. وفي النهاية لم أشترِ شيئاً، بالطبع!‘‘، يختم ألف بيل.

رجل جالس على مقعد عام في الشارع.

جوني اسماعيل فيلاسكيز غوتيريس جالساً على مقعد عام في أحد شوارع مونتريال.

الصورة: Radio-Canada / Ivanoh Demers

جوني اسماعيل فيلاسكيز غوتيريس، عامل زراعي مكسيكي يواجه العنصرية

’’اسمي جوني اسماعيل فيلاسكيز غوتيريس. أنا مكسيكي. جئتُ (إلى مقاطعة كيبيك) لأعمل في مزرعة لتربية المواشي، في صناعة الألبان. يمكنني القول إني تعرضت فيها لمستوى معيّن من العنصرية والإهانة الكلامية من قبل ربّ العمل، فهو كان يشتمنا ويوبّخنا دوماً، حتى وإن لم تكن الأخطاء صادرة عنّا‘‘.

’’ليلفت انتباهنا إلى أمرٍ ما، كان دوماً يستخدم تعابير عدوانية مثل ’كاليس (تُستخدَم للشتم)، يا مكسيكي!‘ و’يا غواتيماليّ إلخ… (كلمة بذيئة)‘، أنتم لستم في المكسيك هنا ولا في غواتيمالا. أنتم في كندا. وفي وقت مضى كان يمرّ شهر دون أن يدفع لنا أُجرتنا. لم نكن نأكل، رفيقي وأنا، سوى الرز المالح‘‘.

’’في إحدى المرّات، وكانت الوحيدة التي أخذني فيها معه لشراء (الغذاء من المدينة) في الشهر الثاني من جائحة ’كوفيد - 19‘، وضعني في صندوق سيارته بحجة أنه لم يكن بمقدورنا أن نكون ثلاثة أشخاص في السيارة، كما قال لي. كان يقود بسرعة فائقة وكان الطقس مثلجاً. أحياناً كان عليّ أن أسير على قدميّ لأصرف شيكاً كي أرسل مالاً لعائلتي أو لشراء بعض الماء لأنّ المياه التي كنا نشربها في المزرعة كانت صدئة، كانت حمراء اللون. فالتجهيزات في المنزل (الذي كنا نقيم فيه) لم تكن مثالية‘‘.

’’كانت النوافذ مكسورة والأرضيةُ أيضاً. عند تساقط الثلوج، كما هي الحال الآن، كان الثلج يتسرّب من باب المدخل. كان نظام التدفئة قديماً. كان علينا وضع الخشب في موقد لتدفئة المنزل الذي كان يمتلئ بالدخان. وإذا كان الخشب مبلولاً بالثلوج لم يكن بإمكاننا أن نتدفأ. لذا أعتقد أنه، أجل، معاملته لنا بهذا الشكل كانت ترقى إلى العنصرية‘‘.

’’عندما قابلته (لربّ العمل) قال لي ’لا أريدك أن تتحدث الإنكليزية‘، فأنا كنتُ قد أخبرته أني أتحدث الإنكليزية. أضاف ’تحدث الإسبانية لأني أفهمها قليلاً، أو الفرنسية‘، فأجبته بأني لا أتحدث الفرنسية‘‘.

’’لديّ أصدقاء التقيتُ بهم في المطار. بعد مرور شهر على وصولي سألوني عن حالي. أجبتهم أني لستُ بخير لأنه أحياناً لا يتوفر لي الطعام الكافي ولا أملك ما يكفي من مال لإرساله لعائلتي. أخبرتهم أننا في فصل الشتاء والطقس بارد والجرذان اجتاحتنا ونقيم في منزلٍ متداعٍ وأنّ تجهيزات العمل في وضع يُرثى له وأنّ الحيوانات في المزرعة هي أيضاً مريضة وجريحة‘‘.

’’قالوا لي ’يمكننا أن نجمعك بشخص قادر على مساعدتك‘ وأعطوني اسم شخص يعمل في مركز العمال والعاملات المهاجرين (CTI - IWC)، والحمد لله قادوني وساعدوني وجاؤوا مباشرة عندي، كما لو أنهم قاموا باختطافي عند السابعة مساءً لاصطحابي إلى مونتريال‘‘.

’’عندما قدمتُ إلى كندا كنتُ حاملاً معي الكثير من المشاعر والأوهام، ككلّ الذين جاؤوا من عالم أميركا اللاتينية من أجل العمل، لأننا نأتي هنا لهذه الغاية: العمل. وكما سبق لي أن قلت، طالما أنهم يدفعون أجرتي أقوم بأيّ عمل كان. أعمل اثنتيْ عشرة ساعة يومياً. كنتُ أعمل سبعة أيام في الأسبوع في المزرعة وكنتُ أشعر أنّ أجرتي لم يكن تصل في الوقت المحدَّد. لم تكن تصل في الوقت المحدَّد ولم تكن تصل كاملةً، فأحياناً كان يجب أن ننتظر شهراً قبل الحصول عليها‘‘.

’’لم أزل أعمل في المزارع. أحبّ الريف، أنا مربّي ماشية، يمكنكم أن تقولوا لي إني لا أملك مواشي لكني أعتبر نفسي مُربّي مواشٍ لأني أُحبّ المواشي‘‘.

’’حالياً أعمل في مزرعة بيسون. إنها تجربة جديدة، وممتعة جداً. الحيوانات أكثر شراسة لكن يجب أن نعرف كيف نعاملها للنجاح في العمل‘‘.

امرأة تضع سماعة أذن بيضاء في أذنها خلال مقابلة صحفية.

كليليا رودريغيز.

الصورة: RCI / Rufo Valencia

شهادة كليليا رودريغيز، الأستاذة الجامعية في تورونتو، عن العنصرية

’’آخر شيء تخيلته عندما وصلتُ إلى كندا كان طريقة تعامل الشرطة معنا. شكّل الأمر مفاجأة لي. كانت لحظة أيقظتني، وفي كلّ مرة كنا نغادر فيها المدرسة معاً، كجماعة، إذ كان هناك الكثيرون من القادمين الجدد من السلفادور بسبب الحرب. هذه المدرسة الثانوية كانت ملأى بالسلفادوريين الواصلين حديثاً، مثلي. وبالطبع، بشكل جماعي، وبسبب كلّ صدمات الحرب التي لم نعالَج منها نفسياً، كان لدينا ميل للبحث عن بعضنا البعض.

اللهجة السلفادورية، هذه الفكاهة السوداء التي تميزنا، كنت أفتقدها. روح الفكاهة عندنا مميزة جداً. لذا افتقدتها. هذه الحاجة، هذا الجوع، هذا الأسى الذي شعرتُ به ربما كوني لستُ في السلفادور… كنا نميل لأن نصبح كمجموعة، وكنا نسير إلى منازلنا معاً. والمرات التي أوقفتنا فيها الشرطة لمجرّد أننا كنا نسير معاً كجماعة، لا تُحصى ولا تُعدّ.

وفي سنتي الدراسية الأخيرة في المدرسة الثانوية جاءت شابة كندية تعمل تحديداً على هذه المسألة. في ذاك الحين، وهذا أمر قد لا يدركه الناس الآن، لم يكن هناك هذا النوع من الاعتراضات الذي نشهده حالياً. في ذاك الحين لم يكن الأمر كما هو اليوم لأننا لم نكن حائزين بعد على أوراق الإقامة في كندا. كنا حائزين على رخصة خاصة للاجئين.

كانت الشابة الكندية تقوم بتجميع هذه القصص. ومع رفيقة أُخرى جاءتها فكرة تصميم ملصق عن العنصرية لوضعه في محطات المترو (قطار الأنفاق). كان الملصق يظهر أوجه ثلاثة أشخاص من أميركا اللاتينية، بشكل خاص من أميركا اللاتينية. أظنّ أنهم بالغوا في المظهر. ودعت الشابة الكندية إلى تظاهرة، لكنّ أحداً لم يحضر. بالطبع ذهبتُ أنا إليها لأني كنتُ مغتاظة. أعتقد أنّه أفضل توصيف لمشاعري لأنك عندما تصل إلى هذه اللحظة يتجاوز الأمر المخاوف على سلامتك الشخصية. تصل إلى لحظة تفكر فيها وتقول ’’لا، يجب المخاطرة، يجب إيقاف كلّ ذلك‘‘.

قمنا بمشروع مع الشرطة، وحضر ممثلهم. في ذاك الحين كان هذا أقصى ما يمكننا القيام به: ملصق في محطة المترو في يونج وبلور. صحيفة ’تورونتو ستار‘ أجرت تحقيقاً حول الموضوع وهو متوفر في أرشيفها ويمكن الاطلاع عليه بواسطة الإنترنت.

كيف يمكن لنا أن نفهم ما حصل ذاك الحين، كيف يمكن أن تفهم غضب أشخاص مثلي اليوم؟ لا تسأل لماذا نحن غاضبون. ما يجب عليك القيام به هو عمل بحثي حول ما كان علينا معاناته هنا في المدرسة الثانوية. لكلّ شيء جَذر.

إن كنتَ فعلاً تريد فهم سياق العنصرية هنا، من المهم جداً أن نفهم أنّ كندا، تاريخياً، بلد تأسس ويعمل على أساس العنصرية. لم يعد ممكناً اللجوء إلى أعذار من نوع ’لم أكن أعلم أنّ أموراً من هذا النوع كانت موجودة في كندا‘. الآن يمكنكم حتى طرح السؤال على أليكسا: ’أليكسا، هل العنصرية موجودة في كندا؟‘. أدعوكم لطرح السؤال على أليكسا أو سيري أو غوغل وسماع ما يقولون. إذا لم يكن بمقدورنا أن نفهم كيف أننا نساهم في الاستعمار المستمرّ كلّ يوم في هذا البلد، لا تحدثوني عن العنصرية. يجب القيام بعمل مضنٍ كي نعرف أين نعيش، من كان هنا قبلنا.

السنة التي وُلدت فيها ابنتي، 1993، كانت السنة التي أُغلقت فيها آخر مدرسة داخلية (إلزامية لأطفال السكان الأصليين) في هذا البلد.

لن تُزال العنصرية إذا لم نكن نعرف من يغذّيها ومن يدفعها قدماً. لن تُزال ما دمنا غير قادرين على رفع أصواتنا فعلاً في أنشطتنا اليومية. يمكننا القيام بذلك في مقهى ’ستارباكس‘ أو في متجر مواد غذائية مثلاً، يجب أن نرفع الصوت في كلّ وقت لنقول ’لا، ليس اليوم!‘. من المهم مواصلة هذه الممارسة وتلقينها للأجيال الجديدة‘‘.

صورة وجه رجل.

محمّد محمود.

الصورة: RCI / Offerte par Mohamed Mahmoud

مُحمَّد محمود وابنته ليال في مونتريال، تمييزٌ على أساس الاسم ولون البشرة

قد لا يُسهّل حملُ اسم ’’محمّد‘‘ أو ’’محمود‘‘ أو أسماء عربية أُخرى حياة أصحابها في الغرب. لكنّ الكندي السوري الأصل الذي أخبرنا عن تجربته يحمل الاسميْن المذكوريْن: محمّد محمود.

جاء محمّد محمود إلى كندا في أوائل تسعينيات القرن الفائت واستقرّ مع عائلته في مونتريال، كبرى مدن كيبيك، الوحيدة بين مقاطعات كندا العشر التي تقطنها غالبية ناطقة بالفرنسية.

وفي عام 2011 تقدّم محمود لوظيفة في المؤسسة التي كان يعمل فيها وهي شركة كبيرة مقرّها مونتريال ولديها فروع حول العالم.

لم يحصل محمود على الوظيفة المشار إليها والتي كانت رئاسة الوحدة التي كان يعمل فيها، لكنّه فوجئ بأنّ من فاز بها كان موظفاً آخر، لا ينحدر من أصول مهاجرة، أقلّ خبرةً ومعرفةً منه في مجال الاختصاص المطلوب.

صباح اليوم التالي التقى محمود بزميل كان رئيسُه السابق الذي أدخله إلى الشركة. سأله هذا الأخير ’’هل ستعمل شيئاً في هذا المجال؟‘‘، فأجابه محمّد ’’بشأن ماذا؟‘‘، فردّ عليه رئيسُه السابق ’’بشأن أنّك لم تصبح رئيس هذه الوحدة في العمل‘‘، فاستوضحه محمود سائلاً ’’ولماذا لم أصبح رئيس الوحدة؟‘‘ فأتاه الجواب ’’بسبب اسمك: محمّد محمود‘‘.

دفعت هذه الحادثة محمّد محمود للتفكير ملياً بمستقبله داخل الشركة التي كان يعمل فيها، فقرّر تركها والبحث عن عمل آخر، وهذا ما فعله.

ويروي محمّد محمود حادثة أُخرى تتعلق بابنته ليال (هذا ليس اسمها الحقيقي) حصلت في 1993، العام التالي لاستقرار العائلة في مونتريال.

في ذاك العام انتقلت العائلة من بناء سكني نصف قاطنيه من المهاجرين يقع في محيط متنزّه ’’لافونتين‘‘ (Parc La Fontaine) الشهير إلى بناءٍ آخر في حيّ شعبي تقطنه غالبية واسعة من الكيبيكيين من ذوي الأصول الكندية الفرنسية.

صباح اليوم التالي لانتقال العائلة إلى سكنها الجديد نزلت ليال، وكانت آنذاك طفلة في السابعة من عمرها، إلى الشارع لتلعب مع أطفال آخرين. فرأتها والدة أحد الأطفال فيما كانت واقفةً على شرفة شقتها وقالت لها بصوت عال ’’ارجعوا إلى بلادكم! لا شأن لكم هنا!‘‘.

وفي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2011 على نيويورك وواشنطن التي تبناها تنظيم ’’القاعدة‘‘ التكفيري قال لليال أحدُ زملائها في المدرسة ’’لو كنتُ أعرف أنك عربية لما جلستُ إلى جانبك!‘‘.

لا تزال ليال حتى اليوم تعاني من تصرفات تعتبرها عنصرية تصدر عن زملاء عمل كيبيكيين (من ذوي الأصول الكندية الفرنسية)، هي المتعمّقة في تاريخ كيبيك وثقافتها.

ولا ترتدي ليال المولودة في الغرب حجاب رأس، لكنّ بشرتها السمراء التي تظهر أنها من أصول مهاجرة، وأيضاً اسم عائلتها، محمود، يلعبان دوراً هاماً في ما تعتبره هي ’’عنصرية جزئية‘‘ (micro-racisme) تتعرّض لها في المجتمع الكيبيكي الذي ترعرعت فيه وباتت جزءاً منه.

امرأة بلباس أحمر أمام باب منزل.

إيلين لاو.

الصورة: RCI

إيلين لاو، أعمال التمييز ليست حكراً على البِيض

إيلين لاو هيَ معاوِنة مايكل لي، عضو الجمعية التشريعية في بريتيش كولومبيا عن دائرة ’’فانكوفر - لانغارا‘‘، وهي أيضاً المديرة السابقة للشؤون العامة لدى مؤسسة ’’ساكسيس‘‘ (S.U.C.C.E.S.S)، أكبر وكالة خدمات اجتماعية للقادمين الجدد في هذه المقاطعة الواقعة على ساحل المحيط الهادي والتي تضمّ جالية آسيوية كبيرة وفاعلة. وهذه شهادتها:

’’قبل نحو سنتيْن استقللنا حافلة ركاب لشركة ’غرايهاوند‘ قاصدين الولايات المتحدة لحضور عرس عائلي.

في محطة الحافلات كنا الآسيويين الوحيدين.

كانت الحافلة قد تأخرت، فقصدنا شباك الاستقبال للحصول على معلومات عن حالة الخدمة. لكنّ أحد الموظفين، وكان أميركياً إفريقياً، أساء التصرف معنا، ربما لأنّ عدة أشخاص سبق أن طرحوا عليه السؤال نفسه. لكن هذا الموظف تعمّد تقليد لهجتي فيما بدأ موظف آخر جالس إلى جانبه الضحك بصوت مرتفع.

وفي حادثة أُخرى، أواخر كانون الثاني (يناير) الفائت، قصد زوجان من فانكوفر بلدة نائية في إقليم يوكون (في شمال غرب كندا) بهدف تلقي اللقاح المضاد لوباء ’كوفيد - 19‘ بأسرع وقت ممكن، أي قبل أن يصبح اللقاح متوفراً لسكان فانكوفر.

ولتناول اللقاح ادعى الزوجان زوراً أنهما من العمال المحليين، وتمكنا بالفعل من تلقيه في عيادة نقالة. لكن سرعان ما اكتشفت وسائل الإعلام مخططهما.

وحتى قبل أن تنشر الصحف الرئيسية هذا الخبر الصادم، كان حساب في وسيلة التواصل الاجتماعي الصينية ’وي تشات‘ قد نشر القصة تحت العنوان الجذاب التالي: ’زوجان صينيان من فانكوفر ذهبا إلى يوكون…‘.

راجعتُ وسائل الإعلام الناطقة بالإنكليزية للتحقق من كلّ واحد من الادعاءات الواردة في نص ’وي تشات‘، فلم أجد ولا كلمة واحدة توحي أو تؤكد أنّ ’الزوجيْن القادميْن من فانكوفر‘ كانا من العرق الصيني أو من أصل صيني.

وبعد ذلك بفترة قصيرة، كشفت وسائل الإعلام الرئيسية أنّ ’الزوجيْن اللذيْن جاءا من فانكوفر‘ لم يكونا صينييْن وأنّ الرجل كان رئيس مجلس إدارة مؤسسة ’غريت كناديان غايمينغ‘ (Great Canadian Gaming Corporation)!

ودفع الكشف عن هذه التفاصيل حسابَ ’وي تشات‘ المشار إليه أعلاه إلى إزالة خبره غير المؤكَّد.

وتُظهر هذه الوقائع أنّ التمييز ضد الآسيويين في كندا ليس حكراً على القوقازيين البيض.

فهذا التمييز قد يصدر عن أشخاص ’ملونين‘ آخرين، وحتى من آسيويين.

في النهاية، في جميع الظروف ومهما كانت وجهات النظر، يجب أن تبقى التغطية الإعلامية محايدة وواقعية‘‘.

امرأة ترتدي اللون الأسود وتضع نظارات، وتبدو خلفها بحيرة وغابة أشجار بألوان الخريف.

شي شي لي، مديرة جمعية خدمة العائلة الصينية في مونتريال الكبرى.

الصورة: Radio-Canada / submitted by Xixi Li

الآسيويون بوجه الجائحة والجهل: شهادة عن العنصرية من مونتريال

ارتفعت بشدة، منذ مطلع جائحة ’’كوفيد - 19‘‘، أعمال التمييز ضدّ الصينيين وسائر الآسيويين حول العالم ومن ضمنه كندا ومدينة مونتريال.

شي شي لي هيَ مديرة جمعية خدمة العائلة الصينية في مونتريال الكبرى (SFCGM)، وتروي في مقابلة مع راديو كندا الدولي بعض التصرفات العنصرية التي إمّا تعرضت لها هي شخصياً أو تعرّض لها أعضاء في جمعيتها.

’’في نيسان (أبريل) 2020 وافقتُ على إعطاء مقابلة لصحيفة ’لا بريس‘ التي تصدر بالفرنسية (في مونتريال). وتحدثتُ في المقابلة عن بعض الصعوبات الخاصة التي تواجهها الجالية الصينية خلال جائحة ’كوفيد - 19‘.

بسبب الحواجز اللغوية وإجراءات الحجر، لا يعرف بعض الأشخاص المسنين المرضى وبعض القادمين الجدد كيف يتواصلون مع أفراد الجسم الطبي ولا كيفية الوصول إلى المستشفى. واتصل بعض الأشخاص بمركزنا الخدماتي وهم يبكون طالبين المساعدة.

وبعد أن نُشر المقال وصلتني فوراً رسالة حاقدة بالبريد الإلكتروني. كانت تلك أول مرة في حياتي أستلم فيها رسالة من هذا النوع.

تضمنت الرسالة هجوماً على الجالية الصينية، وقال فيها صاحبها: ’الفيروس جاء من الصين. أنتم هنا في كيبيك، لا في الصين الشيوعية. عليكم تعلّم الفرنسية‘.

بعد ذلك نشرتُ نصاً على موقع ’فيسبوك‘ نتج عنه سلسلة نقاشات.

كما سلّمتُ الشرطة نسخة عن الرسالة الحاقدة.

وعلاوةً على هذه الرسالة الحاقدة تذكرتُ عدة حوادث تمييز تعرض لها أعضاء في جمعية خدمة العائلة الصينية.

ففي آذار (مارس) 2020، مباشرة قبل بداية الحجر الصحي العام، كان الصينيون عندما يدخلون أسواق البقالة يسمعون أشخاصاً من حولهم يقولون ’لقد وصل الفيروس‘، ثمّ يرون الناس يبتعدون عنهم.

وفي المزارع، في موسم قطف الفراولة، كان البعض يقولون عند رؤيتهم أشخاصاً صينيين: ’الفيروس هنا‘.

في المدرسة بعض الأطفال الصينيين هم أيضاً ضحايا أعمال تمييز من قبل أطفال من أصول أُخرى. يمكن سماع أطفال يقولون لأطفال صينيين كلاماً من قبيل ’لم يعد بإمكاني أن أظلّ صديقك في المستقبل ولا الجلوس معك‘.

منذ مطلع الجائحة في السنة الماضية تعرضت تماثيل أسود حجرية في الحيّ الصيني في مونتريال وتماثيل بوذية منصوبة أمام المعابد لأعمال تخريب واعتداءات بالغرافيتي عدة مرات.

أمام هذا التمييز ندعو الجالية الصينية للوحدة والتحلي بجرأة الكلام والدفاع عن نفسها. ونطالب أيضاً الحكومة الكندية باتخاذ إجراءات محددة الأهداف لحلّ هذه المشكلة‘‘.

(هذا الملف نُشر للمرة الأولى على موقع راديو كندا الدولي بتاريخ 21 آذار / مارس 2021)

العناوين