1. الصفحة الرئيسية
  2. سياسة
  3. السياسات الدولية

تونس: تصحيحٌ لمسار الديمقراطية أم انقلاب؟ رأيان من مونتريال

الرئيس التونسي قيس سعيّد وبجانبه علم بلاده  وخلفه مكتبة.

الرئيس التونسي قيس سعيّد.

الصورة: via reuters / Bureau du président de la Tunisie

Fadi Harouny

تجتاز تونس حالياً إحدى أهم الأزمات السياسية التي عرفتها منذ بدء مسيرة الديمقراطية فيها قبل عشر سنوات. ففي يوم الجمهورية التونسية المصادف الأحد الفائت، 25 تموز (يوليو)، أقال الرئيس قيس سعيّد حكومة هشام المشيشي معلناً عزمه على العمل مع حكومة جديدة وعلّق عمل البرلمان مدة 30 يوماً ورفع الحصانة عن النواب محاججاً بأنه يستند إلى الفصل رقم 80 من الدستور. هل ما تعيشه تونس حالياً هو تصحيح لمسار الديمقراطية في النموذج الناجح الوحيد بين دول ’’الربيع العربي‘‘ أم يشكل انقلاباً عليه؟ نطّلع في هذا التقرير على رأييْن مختلفيْن لتونسييْن مقيميْن في مونتريال: الإعلامي أنيس العليبي والمسؤول السابق في حركة ’’النهضة‘‘ محمّد الغرّاد.

التقيتُ بأنيس العليبي بعد ظهر أمس في مدينة لونغوي المقابلة لجزيرة مونتريال والواقعة على الضفة الجنوبية لنهر سان لوران، وسألته رأيه في قول كثيرين إنّ ما أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد يرقى إلى الانقلاب السياسي.

ما قام به قيس سعيّد هو تطبيق للفصل 80 من الدستور التونسي، وهذا ليس انقلاباً سياسياً إنما انقلابٌ على الفقر والفساد والمحسوبيات وعلى خراب الدولة وانتهاك مؤسساتها وعلى رئيس حكومة مسؤولة عن وفاة 20 ألف مواطن في جائحة ’’كوفيد - 19‘‘، هذا تصحيحٌ للمسار الثوري في تونس
أنيس العليبي، إعلامي كندي تونسي

يُذكر أنّ قيس سعيّد عيّن هشام المشيشي رئيساً للحكومة في يوم الجمهورية التونسية العام الماضي، أي في 25 تموز (يوليو) 2020، ونالت حكومة هذا الأخير الثقة في 2 أيلول (سبتمبر) في وقت كانت فيه تونس تواجه صعوبات في التصدي للجائحة، أسوةً بالكثير من دول العالم.

وينصّ الفصل 80 من الدستور التونسي على أنّ ’’لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدِّد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب‘‘. ويؤكد الفصل المذكور على أنه ’’يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال‘‘ وأنّ ’’مجلس نواب الشعب يُعتبر في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة‘‘.

رجل واقف أمام مدخل جامعة في ساحة كبيرة.

الإعلامي الكندي التونسي أنيس العليبي واقفاً أمام مدخل جامعة شيربروك فرع لونغوي جنوب جزيرة مونتريال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

وأضاف أنيس العليبي أنّه عند إعلان الرئيس سعيّد عن قراره في 25 تموز (يوليو) الجاري ’’كانت هناك تهديدات فعلية للأمن والسلم الاجتماعي في تونس‘‘ وكانت هناك ’’مؤامرات تُحاك في غرف مظلمة وقد تحرّك الرئيس سعيّد لإنقاذ تونس وحقن دماء التونسيين‘‘.

أمّا بالنسبة للفصل 80 الذي يقول إنّ ’’مجلس نواب الشعب يُعتبر في حالة انعقاد دائم‘‘ عندما يتخذ الرئيس تدابير تحتمها ’’حالة استثنائية‘‘ فقال أنيس العليبي إنّ هناك أكثر من تفسير له.

وأشرتُ لمحدّثي، الإعلامي الكندي التونسي، أنّ الكثيرين يخشون على الحريات في وطنه الأم ويرون في قرارات الرئيس سعيّد خطوةً إلى الوراء في المسيرة الديمقراطية فيه.

قطعاً ليس هناك أيّ خطر (على الحريات والمسيرة الديمقراطية في تونس). في الانقلابات يتمّ اعتقال القادة السياسيين، لكن في تونس زعيم حركة ’’النهضة‘‘ راشد الغنوشي (هو أيضاً رئيس البرلمان المعلًّق) يتحدث بكل حرية، ورئيس الكتلة البرلمانية للحركة نورالدين البحيري يتحدث أيضاً بكل حرية، وكذلك الأمر بالنسبة لسيف الدين مخلوف
أنيس العليبي، إعلامي كندي تونسي

وسيف الدين مخلوف هو رئيس الكتلة النيابية لائتلاف ’’الكرامة‘‘ الإسلاموي المتشدد وهو من المعارضين لقرارات الرئيس قيس سعيّد الأخيرة. وكان الائتلاف، أسوة بحركة ’’النهضة‘‘ الإسلاموية، قد صوّت لصالح قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2019.

رئيس البرلمان التونسي، زعيم حركة ’’النهضة‘‘، راشد الغنّوشي متحدثاً إلى صحفي، ونراه واضعاً غطاء وجه واقياً من الفيروسات.

رئيس البرلمان التونسي، زعيم حركة ’’النهضة‘‘، راشد الغنّوشي متحدثاً إلى صحفي.

الصورة: Reuters / Zoubeir Souissi

وعندما أشرتُ لأنيس العليبي أنّ السلطات التونسية أغلقت مكتب محطة قناة ’’الجزيرة‘‘ التلفزيونية في تونس، أجابني بأنّ هذه المحطة القطرية المعروفة بدعمها لتيار الإخوان المسلمين كانت ’’تتآمر‘‘ على الأمن القومي التونسي.

وسألتُ أنيس العليبي ما إذا لم يكن يخشى من وقوع فتنة بين التونسيين بسبب قرارات الرئيس سعيّد الأخيرة. فللرئيس الذي حصد نحو 73% من أصوات التونسيين في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في تشرين الأول (أكتوبر) 2019 جمهور واسع عبّر بشكل واضح عن دعمه لقراراته الأخيرة، ولحركة ’’النهضة‘‘ صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر جمهورها الواسع أيضاً.

السؤال هو هل استهدف قيس سعيّد حركة ’’النهضة‘‘ بعينها؟ هو لم يستهدف النهضة ومن لفّ لفّها من ائتلاف ’’الكرامة‘‘، العنصر التكفيري في مجلس النواب. قراره (بتعليق عمل البرلمان) شمل جميع النواب
أنيس العليبي، إعلامي كندي تونسي

وسألتُ أنيس العليبي رأيه في دعوة زعيم ’’النهضة‘‘ راشد الغنوشي للحوار، فأجاب بأنها ’’رقصة الديك المذبوح‘‘ وأنّ الحركة متورّطة في "ملفات فساد كبيرة‘‘ ستُفتح تباعاً أمام القضاء، وذكّر بتوقيع أكثر من 100 نائب عريضةً لسحب الثقة من الغنوشي كرئيس للبرلمان في شباط (فبراير) الفائت على خلفية ’’سوء إدارة العمل وتنامي العنف داخل البرلمان‘‘.

محمّد الغرّاد جالساً إلى عداد المطبخ في شقته السكنية في مونتريال.

الناشط السياسي التونسي محمّد الغرّاد داخل شقته السكنية في مونتريال في 29 تموز (يوليو) 2021 حيث كان يواصل التزام الحجر الصحي بعد عودته من تونس.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

أمّا محمّد الغرّاد، العائد مؤخراً من تونس والذي قابلته مساء أمس عند مدخل شقته السكنية في وسط مونتريال، فله رأيٌ آخر مناقض ’’لما يعتبره مبرّرو الانقلاب تصحيح مسار‘‘.

يقول قيس سعيّد إنه استند إلى الفصل 80 من الدستور، لكنّ النص الدستوري يقول بوضوح إن البرلمان يجب أن يبقى في حالة انعقاد دائم. فعندما يجمّد (الرئيس) البرلمان ويقيل رئيس الحكومة ويعطي نفسه جميع الصلاحيات بما فيها صلاحية النيابة العامة التي عارضه فيها بشدة المجلس الأعلى للقضاء، لا يكون هذا في أيٍّ من الأحوال تطبيقاً للفصل 80 من الدستور بل تعليق العمل بالدستور وهذا يعني أننا أمام انقلاب واضح
محمّد الغرّاد، مسؤول سابق في حركة ’’النهضة‘‘ التونسية

وكان محمّد الغرّاد، الحاصل على الإقامة الدائمة في كندا، أحد مستشاري العلاقات الخارجية في حركة ’’النهضة‘‘ زهاء ثلاث سنوات لحين استقالته في صيف 2019 قبل الانتخابات الرئاسية التونسية، وهو حالياً ’’ناشط سياسي مستقل وبالزخم السابق نفسه‘‘ كما قال لي.

سألته لماذا وصلت الحال إلى ما وصلت إليه وتحديداً إلى قرار الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز (يوليو) الحالي.

’’في الثورة التونسية منذ عام 2011 ولغاية اليوم كان هناك تقدّم على صعيد الانتقال الديمقراطي، في مسألة الحريات، لكنّ الانجازات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي كانت متواضعة جداً. وعززت المشكلةُ الاقتصادية والمشكلةُ الاجتماعية المشكلةَ الصحية لأزمة كورونا التي انطلقت قبل حوالي سنة. اليوم هناك إجماع بين التونسيين على وجود خلل في المنظومة السياسية التي تحكم تونس منذ 2011، لكنّ الاختلاف هو حول الحلّ‘‘، أجاب محمّد الغرّاد.

’’ولكن هل الحلّ في تركيز جميع السلطات بيد شخص واحد وإعطائه صكاً على بياض ليفعل ما يشاء؟‘‘، أضاف محمّد الغرّاد الذي يرى أنّ الحلّ يكمن في آليات ديمقراطية، كانتخابات مبكرة، والبحث عن ممثلين سياسيين جدد.

’’بالنسبة لي تصرُّف قيس سعيّد ليس مستغرَباً، وأنا لم أقترع له عام 2019، والمحزن في هذا كله هو أنّي عندما عبّرتُ عن موقفي الرافض له تعرّضتُ لحملات شتم عديدة من قبل ’’النهضة‘‘ والأحزاب التي دعمت ترشّحه وصلتْ إلى حدّ التخوين واتهامات باطلة أُخرى. كنتُ أرى أنّ هذا الشخص هو شخص شعبوي وخطير على تونس، ولا أعرف تجربة واحدة في العالم تمّ فيها تركيز السلطات بيد شخص واحد ولم تنتهِ بوضعٍ مأساوي أو سيّء أو انقلابي أو استبدادي‘‘، أضاف محمّد الغرّاد.

تقاطع طرق في وسط مونتريال وتبدو كنيسة وسيارات.

تقاطق طرق في وسط مونتريال في محيط مكان سكن محمّد الغرّاد وتبدو كنيسة سانت جاكس الأنغليكانية التي دُشّنت عام 1864.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

ما نجح فيه الانقلابيون نسبياً وقائدهم قيس سعيّد هو أنهم استغلوا حالة الغضب الشعبي الكبير ضدّ ’’النهضة‘‘، وتعنُّت ’’النهضة‘‘ في إصلاح نفسها رفع مستوى الغضب عليها والمعارَضة لها وحمّلها مسؤولية 10 سنوات من الحكم، فاستغلّ قيس سعيّد الغضب الشعبي ضد ’’النهضة‘‘ ليظهر كمن يقود معركة ضدّها. لكنّ المعركة ليست بين قيس سعيّد و’’النهضة‘‘، فهذه الخديعة الكبرى لأنّ المعركة هي بين الديمقراطيين واللاديمقراطيين
محمّد الغرّاد، ناشط سياسي تونسي في مونتريال

ويرى محمّد الغرّاد أنّ ’’النهضة‘‘ لعبت دوراً تاريخياً في المعارضة ضد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، الذي خلعته الثورة مطلع عام 2011، وأنّ دورها كان ترسيخ الديمقراطية، ’’لكن بمجرد أن وصلت إلى الحكم تبيّن أن برنامجها الوحيد لم يكن سوى مقاومة الدكتاتورية، في حين أنّ الحكم يتطلب أناساً ملتزمين بالحوكمة الرشيدة وقادرين على تقديم خدمات للمواطنين وتوفير العيش الكريم لهم والانفتاح على مختلف فئات المجتمع‘‘.

أعتقد أنّ الدور التاريخي لحركة ’’النهضة‘‘ انتهى بإيجاد الديمقراطية في تونس، وإصرارُ الحركة على البقاء كما هي هو الذي يتسبّب تدريجياً في إمكانية عودة الدكتاتورية. هناك خلل في المشهد السياسي، يجب إجراء إصلاح في التمثيلية السياسية في البلاد، وهذا يشمل كافة الأحزاب، ولكن بشكل خاص حركة ’’النهضة‘‘
محمّد الغرّاد، ناشط سياسي تونسي في مونتريال

وأضاف محمّد الغرّاد أنه في المراحل المشابهة لما تعيشه تونس اليوم ’’ترتفع الهستيريا‘‘، وهذا يعني ’’الصخب‘‘، ونرى ’’الناس يتحدّثون بقوة‘‘ وأنّ ’’الصوت الأعلى الآن وكأنه للناس الداعمين للانقلاب‘‘.

’’لكنّ الشعب التونسي ليس انقلابياً، وأنا متأكّد من أنّه حتى الفئة التي تدعم الانقلاب حالياً إنما تدعمه عن حسن نية، لا عن سوء نية، في صرخة غضب‘‘، محمّد الغرّاد، ناشط سياسي تونسي في مونتريال

’’وإذا افترضنا أنّ هناك مقبولية واسعة لهذا الانقلاب، فهذا لا يعني أنّه يشكل الانفراج في تونس. فدعم الانقلاب لن يحلّ مشاكل تونس‘‘، أضاف محمّد الغرّادي.

ويرى محدّثي أنّ الزخم الشعبي ونزول الناس إلى الشارع لن يحلّ المشكلات المتعددة، فيشير إلى أنّ الثورة الإيرانية عام 1979 كانت ’’ثورة شعبية انتهت بولادة نظام (الإمام آية الله) الخميني‘‘ اللاديمقراطي. أمّا الحلّ فيكمن بنظره في ’’خارطة طريق واضحة‘‘.

على المجتمع الدولي أن يضغط في هذا الاتجاه فيقدّم قيس سعيّد خارطة طريق واضحة تشمل انتخابات مبكرة رئاسية وتشريعية واستكمال المحكمة الدستورية وقانوناً انتخابياً جديداً ينهي حالة الانقسام، وهذا يتطلب بالضرورة عودة البرلمان للعمل في أقرب وقت. فعودة البرلمان الآن مهمة جداً وأقترح أن يستقيل راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان مقابل هذه العودة
محمّد الغرّاد، ناشط سياسي تونسي في مونتريال

وشدّد محمّد الغرّادي على أهمية ’’استكمال البناء الديمقراطي‘‘ لأنّ الديمقراطية تتطلب مؤسسات، وأشار إلى أنّ من بإمكانه الحسم بشأن دستورية قرارات الرئيس قيس سعيّد الأخيرة ومن لديه صلاحية عزل الرئيس في حال ارتكابه ’’خطأً جسيماً‘‘ هي المحكمة الدستورية، و’’لهذا رفض قيس سعيّد التوقيع على قانون المحكمة الدستورية‘‘.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين