1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. الهجرة

كندا بلد فرص العمل: شهادات ثلاثة مهاجرين من سكان أوتاوا - غاتينو

إمرأة جالسة إلى طاولة في متنزه ونرى خلفها نهر أوتاوا.

الموظفة في بلدية غاتينو الكيبيكية ندى شويري في صورة لها أمس في متنزه ’’فواياجور‘‘ في أونتاريو ويبدو خلفها نهر أوتاوا الفاصل بين هذه المقاطعة ومقاطعة كيبيك.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

Fadi Harouny

يُهاجر الناس إجمالاً بحثاً عن حياة أفضل، بعيداً عن نزاعات مسلحة أو أزمات اقتصادية وضيق أحوال. نطّلع في هذا التقرير على تجارب ثلاثة أشخاص جاؤوا إلى كندا بحثاً عن حياة أفضل ولا يزالون في سوق العمل، هاجروا قبل سبعة أعوام و21 عاماً و44 عاماً.

هاجر أحمد من لبنان، من مسقط رأسه بلدة الرفيد في قضاء راشيا في جنوب شرق وطن الأرز، قبل سبع سنوات. كفلته زوجته، وهي لبنانية مثله كانت قد هاجرت قبله إلى كندا، كي يستطيع الهجرة إلى كندا في إطار برنامج لمّ الشمل العائلي.

استقرّ أحمد في العاصمة الفدرالية أوتاوا، حيث كانت تقيم زوجته وأهلها، ودخل فوراً ميدان العمل.

جئتُ من لبنان حاملاً شهادة في هندسة الديكور وخبرة في هذا المجال. كان عملي في وطني الأم على الخرائط والحاسوب، أمّا هنا في كندا فدخلتُ مهنة البناء منذ وصولي، وأعمل بيديّ في الهدم والترميم والتبليط ومختلف أشغال البناء
أحمد، مهاجر لبناني من سكان أوتاوا يعمل في حقل البناء

ويعمل أحمد لحسابه الخاص حالياً بعد أن توظّف في شركتيْ بناء على التوالي منذ وصوله إلى كندا.

وأحمد ليس الاسم الحقيقي لمحدّثي الذي طلب ’’لأسباب شخصية‘‘ عدم ذكر اسمه الحقيقي وعدم نشر صورة له في تقريري. والتقيتُ به أمس في متنزّه ’’فواياجور‘‘ (Voyageur Provincial Park (نافذة جديدة)) التابع لسلطات مقاطعة أونتاريو.

ويقع مدخل هذا المتنزه على مسافة نحو خمسة كيلومترات من حدود أونتاريو مع جارتها الشرقية مقاطعة كيبيك. ويبعد المتنزه، الذي يلامس طرفه الشرقي حدود كيبيك، مسافة 84 كيلومتراً بالسيارة من وسط مونتريال، كبرى المدن الكيبيكية، و116 كيلومتراً من وسط أوتاوا، ودوماً عبر الطريق السريع.

ولما سألتُ أحمد عن تقييمه للحياة في كندا، وتحديداً في أوتاوا حيث يقيم مع عائلته، أجابني ’’كحياة إجتماعية قلّما تكون جميلة‘‘.

’’لكن في أوتاوا جالية لبنانية كبيرة‘‘، أشرتُ لأحمد. وتعود شريحة كبيرة جداً من هذه الجالية اللبنانية الكبيرة والمترسّخة في أوتاوا بأصولها إلى أقضية راشيا والبقاع الغربي وزحلة المتجاورة في شرق لبنان.

صحيح أنّ أوتاوا تضمّ جالية لبنانية كبيرة، لكنّ الزمن تغيّر وصارت المصالح تتحكم بالناس، وكلّ إنسان مقيم لوحده يهتمّ بنفسه وبعائلته. أين هي الجمعات العائلية؟ لقد خفّت كثيراً
أحمد، مهاجر لبناني مقيم في أوتاوا

’’وإذا قارنتَ الحياة هنا بالحياة في بلادنا، تجد أنّ الحياة حلوة في بلادنا لكنّ الوضع الاقتصادي فيها حالياً منهار بشكل كامل. لم يعد السفر إلى لبنان مبعث فرح‘‘، أضاف أحمد الذي يقصد بـ’’بلادنا‘‘ وطنه الأم لبنان وإن كان لا ينكر فضل كندا عليه وعلى عائلته.

وعندما سألته عن أكثر ما يحبه في كندا أجابني ’’الدراسة والطبابة مؤمّنة لأولادي، والدولة تقف دوماً إلى جانبي. ومن يحبّ العمل يبني لنفسه مستقبلاً، ومن لا يحبّ العمل يعيش على قدر حاله‘‘.

ولأحمد طفلان، كبيرهما دخل المدرسة.

سيدة مهاجرة مسرورة بحصولها على الجنسية الكندية في حفل رسمي في هاليفاكس عاصمة مقاطعة نوفا سكوشا في شرق كندا، ونرى في الصورة أحد عناصر الشرطة الملكية الكندية بالزي الرسمي الأحمر حاملاً أعلاماً كندية.

سيدة مهاجرة مسرورة بحصولها على الجنسية الكندية في حفل رسمي في هاليفاكس عاصمة مقاطعة نوفا سكوشا في شرق كندا (أرشيف) / Government of Canada

الصورة: MARKETWIRE PHOTO/Government of Canada

والتقيتُ في متنزه ’’فواياجور‘‘ بمهاجر آخر من منطقة راشيا اللبنانية أيضاً جاء يمضي مع عائلته بعض الوقت في ظلال الطبيعة.

هاجر أحمد الخطيب من وطن الأرز إلى كندا عام 2000 واستقرّ في أوتاوا حيث تابع الدراسة وأسس عائلة وشركة. وهو لا يزال يقيم في العاصمة الفدرالية مع زوجته وأولادهما الثلاثة.

في لبنان كان أحمد الخطيب يعمل في شركة بناء ومقاولات تخصّ عائلته، وبعد أن هاجر إلى كندا تابع الدراسة في معهد ’’ألغونكوين‘‘ (Algonquin College (نافذة جديدة)) للفنون التطبيقية والتكنولوجيا في أوتاوا.

وبعد أن عمل في شركة بناء إيطالية أسّس أحمد الخطيب شركته الخاصة لأعمال البناء والترميم، ’’إيه أند إيه رينوفايشنز أند كوستراكشن‘‘ (A&A Renovations and Construction)، في أوتاوا أيضاً.

وتنشط شركة أحمد الخطيب في أعمال البناء المنزلي كما تحصل على عقود بناء حكومية بعد مشاركتها في مناقصات عامة.

سألتُ محدّثي عن تقييمه لحياته في العاصمة الكندية منذ هجرته إليها قبل عقديْن ونيّف من الزمن.

منذ قدومنا إلى كندا لم نشعر يوماً أننا غرباء فيها. إن سعيتَ للعمل تنفتح بوجهك الأبواب الواحد تلوَ الآخر. هنا الحياة بالإجمال فعلاً مريحة
أحمد الخطيب، صاحب شركة لأعمال البناء والترميم، مقيم في أوتاوا منذ عام 2000

وسألتُ محدّثي إن كان هذا أيضاً شعور زوجته وأولاده، فأجابني ’’فعلاً كذلك، وأولادي طلاب في المدرسة ويتحدثون ثلاث لغات‘‘. وهذه اللغات هي لغتا كندا الرسميتان، الإنكليزية والفرنسية، إضافةً إلى لغة الوالديْن الأم، أي العربية.

منزل قيد الترميم في كندا وتبدو أمامه علب كرتونية لمواد بناء.

منزل قيد الترميم في كندا (أرشيف).

الصورة: Radio-Canada / Serge Bouchard

كما سألتُ أحمد الخطيب ما إذا تعرّض لأيّ شكل من أشكال التمييز العنصري في كندا منذ استقراره فيها قبل عقديْن ونيّف من الزمن، فأجابني بأنّ ’’لا مفرّ من الوقوع على شخصٍ غريب الأطوار مرةً أو اثنتيْن في هذه السنوات العشرين الأخيرة‘‘.

لكن ما عدا ذلك لا يسعني سوى أن أشير إلى أنّي في المناقصات التي دخلتُ فيها عوملتُ كأيّ كندي مولود هنا في كندا، دون الحاجة لأيّة ’’واسطة‘‘ (زبائنية) كما في بلادنا. فإذا كنتَ إنساناً ناجحاً في عملك تفوز بعقود كالآخرين، فيقدّر الجميع عملك ويحترمونك
أحمد الخطيب، صاحب شركة لأعمال البناء والترميم في أوتاوا

ويقصد أحمد الخطيب بـ’’بلادنا‘‘ الوطن الأمّ لبنان. أمّا الشائبة الوحيدة التي أشار إليها في وطنه الكندي فهي النقص في اليد العاملة. فشركته بحاجة ليد عاملة إضافية يصعب الحصول عليها حالياً في كندا. وأخبرني أنه يتمنّى لو أنّ بإمكانه استقدام يد عاملة متخصصة من لبنان، لكنّ شروط البرنامج الفدرالي لهجرة العمّال المهرة إلى كندا (نافذة جديدة) صعبة حسب رأيه.

وأشار أحمد الخطيب إلى ما يعتبره أحد أسباب النقص في اليد العاملة، إذ قال إنّ المساعدة الكندية لحالات الطوارئ (PCU - CERB) التي قدّمتها الحكومة الفدرالية خلال جائحة ’’كوفيد - 19‘‘ جعلت أشخاصاً كثيرين يفضلون تقاضيها على مزاولة العمل.

يُشار إلى أنّ هذه المساعدة مالية مقدارها 500 دولار في الأسبوع، خاضعة للضريبة، وقدّمتها الحكومة الفدرالية للعمّال الذين فقدوا وظائفهم أو تراجعت مداخيلهم إلى ما دون 1000 دولار شهرياً بسبب الجائحة. ومدّدت الحكومة فترة الاستفادة من هذه المساعدة إلى أن بلغت 38 أسبوعاً ثمّ استبدلتها ببرامج أُخرى.

وبالرغم من أنه أعطاني اسمه كاملاً واسم شركته، لم يشأ أحمد الخطيب أن آخذ له صورة لأضعها في تقريري بالرغم من محاولتي إقناعه بالأمر. ’’أنا لا أحبّ الصور‘‘، قال لي.

أشجار في متنزه ويبدو بعض الناس في عمق الصورة.

أشجار في متنزه ’’فواياجور‘‘ في مقاطعة أونتاريو.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

مهاجرة ثالثة تحدثتُ إليها في متنزه ’’فوياجور‘‘ هي ندى شويري من سكان غاتينو، وهي أيضاً لبنانية الأصل. فقد شاءت الصدفة أن يكون تقريباً كلّ المهاجرين من العالم العربي الذين تواجدوا أمس في هذا المتنزه من أصول لبنانية.

وتعمل ندى شويري منذ 15 سنة في بلدية غاتينو (نافذة جديدة)، المدينة الكيبيكية التي يفصلها نهر أوتاوا عن العاصمة الفدرالية الكندية.

هاجرت ندى من لبنان عام 1977 برفقة عريسها خير شويري وهي في السابعة عشرة من عمرها. العروسان من منطقة زحلة، وكان العريس قد هاجر إلى كندا قبل ثلاث سنوات واستقرّ في غاتينو.

وبعد سنوات من العمل في مطعم لشرائح البيتزا في غاتينو يخصّ أحد أشقاء خير شويري، افتتح الزوجان عام 1984 مطعمها الخاص، للبيتزا أيضاً وفي غاتينو. وظلّ المطعم يعمل لغاية عام 2005.

وفي عام 2001 حصلت محدّثتي على دبلوم دراسات مهنية (DEP) في السكريتاريا الإدارية. وسبق لها أن زاولت هذه المهنة في مكتب للمحاماة. وأتاحت لها شهادتها وخبرتها دخول بلدية غاتينو حيث تعمل حالياً ككاتبة في مركز غاتينو الرياضي (Centre sportif de Gatineau).

وإذا كان أجمل ما حققته ندى شويري في كندا هو تأسيسها عائلة سعيدة مع زوجها خير الذي وافته المنية قبل ثلاث سنوات ونيّف بعد صراع مع داء عضال، فالحياة في كندا لعبت دوراً رئيسياً في هذه السعادة العائلية على حدّ قولها.

كندا بلد يمكنك أن تعيش فيه سعيداً وكما تريد، ضمن ميزانيتك وحسب حرية تفكيرك، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية. هكذا عشنا أنا وزوجي والعائلة. وأحببنا العمل في كندا، أحببنا الجميع ولم نؤذِ أحداً. أحببنا جيراننا الكنديين وهم أيضاً بادلونا هذه المحبة
ندى شويري، كندية لبنانية موظفة في بلدية غاتينو

وأخبرتني ندى شويري أنها وزوجها كانا حريصيْن منذ البداية على مدّ جسور التعارف والصداقة مع جيرانهما الكنديين، ’’فكندا بلد جميلة وشعبها طيّب‘‘.

ومن هنا جائتها فكرة العودة إلى مقاعد الدراسة عقب وصولها إلى كندا، تحديداً إلى السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، من أجل التمكن من اللغة الفرنسية التي سبق لها أن درستها في المدرسة في لبنان لكن قلّما كانت تتحدثها في الحياة اليومية.

والفرنسية، إحدى لغتيْ كندا الرسميتيْن إلى جانب الإنكليزية، هي لغة الأكثرية في غاتينو كما في سائر كيبيك، المقاطعة الكندية الوحيدة ذات الغالبية الناطقة بالفرنسية، وتتحدثها ندى شويري بطلاقة إلى جانب العربية، كما يتحدث أولادها الثلاثة لغتيْ كندا الرسميتيْن إضافة إلى لغة الضاد.

تأقلمنا مع الحياة في كندا، في مختلف الميادين، وتعوّد أولادنا الثلاثة على مزاولة رياضات الشتاء الكندية، من زلاجة الجليد إلى الهوكي على الجليد، مع رفاقهم الكنديين. لم نتذمّر من فصل الشتاء وإن كان أطول مدةً من شتاء لبنان وأكثر قسوة، فهذه طبيعة كندا وهي جميلة بفصولها الأربعة
ندى شويري، كندية لبنانية المولد من سكان غاتينو

وسألتُ ندى شويري ما إذا كانت تعرضت، هي أو أحد أفراد عائلتها، لأعمال تمييز عنصري منذ وصولها إلى كندا قبل 44 عاماً، فأجابتني بأنها وزوجها لم يتعرّضا لشيء من هذا النوع، لكن حدث للأولاد، في ’’مرات نادرة‘‘، أن سمعوا كلمات غير لائقة من رفاقٍ في الحضانة أو المدرسة.

’’لكن هذه أمور تحدث في كلّ المجتمعات‘‘، أكّدت ندى شويري، مضيفةً ’’أحبّ الكنديين والكيبيكيين وسكان غاتينو واللغة الفرنسية‘‘.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين