1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. الهجرة

المُهاجر وتحدّي الحصول على عمل: مسارات مختلفة لأربعة أشخاص

رجل واقفٌ في موقف سيارات لمركز تجاري وتبدو خلفه سيارات وأبنية.

حكيم شلّالي واقفاً في موقف سيارات خاص بمركز تجاري عند تقاطع جادتيْ سان مارتان ودي لورانتيد في مدينة لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

Fadi Harouny

- تقرير سابق نشرناه للمرة الأولى في 23 تموز (يوليو) 2021 ونعيد نشره اليوم -

مسيرة حصول المهاجرين على عمل تختلف من شخص لآخر. فالبعض يقوم بتحوّل مهني لا يحتاج إليه البعض الآخر، وهناك من يرغب في العمل في مجال اختصاصه لكنّ ارتداءه، أو بالأحرى ارتداءها، ’’رمزاً دينياً‘‘ في مقاطعة كيبيك يقف عائقاً أمام الحصول على الوظيفة المنشودة. نطّلع في هذا التقرير على أربع تجارب.

هاجر حكيم شلّالي، ابن الجزائر العاصمة، إلى كندا عام 1999 وبحوزته شهادة تقنيّ سامٍ في البناء. لم يستطع العمل بشهادته في مونتريال، كبرى مدن مقاطعة كيبيك وعاصمتها الاقتصادية، التي استقرّ فيها بداية، إذ كان يُطلب منه أن يكون حائزاً على خبرة كندية في مجال البناء. فعمل في مجالات مختلفة، من قطاع المطاعم إلى بيع السيارات.

وبعد أن عمل سنوات طويلة في بيع السيارات، قرّر حكيم شلّالي العودة إلى مقاعد الدراسة لتعلّم مهنة متصلة بالبناء وإن كانت مختلفة عن تلك التي درسها في الوطن الأم. فتابع تخصصاً مكثفاً في مجال التخمين العقاري في أحد معاهد مونتريال ونال عام 2008، بعد سنتيْن من الدراسة، دبلوماً من فئة (DEC).

كنتُ محظوظاً بأني أجريتُ فترة التدريب المهني في قسم التخمين العقاري في بلدية لافال، وعندما احتاج القسمُ لفنّيٍ إضافي في هذا المجال أرسل في طلبي، فبدأتُ العمل في القسم عام 2008 ولمّا أزل، وقد أبقى فيه حتى سنّ التقاعد
حكيم شلّالي، فنّي في قسم التخمين العقاري في بلدية لافال

وتحدثتُ إلى حكيم شلّالي أمس في موقف سيارات في الهواء الطلق أمام مركز تجاري يقع عند تقاطع جادتيْ سان مارتان ودي لورانتيد وهما اثنان من الشوارع التجارية الرئيسية في لافال، ثالثة كبريات مدن مقاطعة كيبيك والتي تقع مباشرة إلى الشمال من جزيرة مونتريال.

ويتركّز عمل حكيم شلّالي على تخمين العقارات السكنية في لافال بهدف تحديد قيمة الضريبة العقارية التي يتوجّب على المالكين تسديدها سنوياً لبلدية المدينة (نافذة جديدة).

وبعد أن كان يسكن بالإيجار في مونتريال تملّك حكيم شلّالي عام 2009 في المدينة التي كان قد بدأ يعمل فيها، فاشترى منزلاً في حيّ دوفيرني في النصف الشرقي من لافال ليقيم فيه مع عائلته.

وقال لي حكيم شلّالي إنّ الكثيرين من المهاجرين يُضطرون للعودة إلى مقاعد الدراسة لتوفير حياة أفضل لهم ولعائلاتهم وإنه ليس نادماً على مسيرته المهنية.

تقاطع طرقات رئيسي وتبدو سيارات تسير وأُخرى متوقفة.

تقاطع جادتيْ سان مارتان ودي لورانتيد في حيّ شوميدي في لافال (الصورة مأخوذة من موقف السيارات المذكور في النصّ).

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

أمّا لَيلى (وهذا ليس اسمها الحقيقي) التي تحدثتُ إليها وهي متوجّهة إلى المركز التجاري نفسه فوضعها مختلف.

أخبرتني لَيلي، الجزائرية الأصل أيضاً، أنها كانت تدرّس الرياضيات لطلاب المرحلة المتوسطة في الجزائر العاصمة وأنها هاجرت إلى مونتريال في تسعينيات القرن الفائت لتعود بعد سنوات طويلة إلى الوطن الأم ومنه إلى مقاطعة كيبيك مجدداً في أيلول (سبتمبر) 2020 فيما كانت جائحة ’’كوفيد - 19‘‘ تلفّ العالم.

لا أستطيع تدريس الرياضيات هنا في مقاطعة كيبيك بسبب ارتدائي الحجاب
لَيلى، مُدرّسة رياضيات جزائرية ترتدي حجاب الرأس الإسلامي

يُشار إلى أنه بموجب قانون علمانية الدولة في كيبيك، الصادر عن حكومة حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك والذي أقرته الجمعية الوطنية في المقاطعة في حزيران (يونيو) 2019، لا يحقّ للقضاة والمدّعين العامين وأفراد الشرطة وحرّاس السجون والمعلّمين في المدارس الابتدائية والثانوية العامة ارتداء الرموز الدينية على اختلافها خلال دوام العمل.

وستبدأ لَيلي قريباً عملاً في القطاع التربوي لن يكون عليها أن تنزع حجابها لمزاولته، إلّا أنه دون إمكانياتها التعليمية، هو مربية (éducatrice) في أحد مراكز الرعاية النهارية للأطفال (CPE) التابعة لوزارة العائلة في حكومة كيبيك. ويقع المركز في مونتريال وسبق للَيلى أن عملت فيه فترات قصيرة.

وفي مرحلة أولى وظيفة لَيلى ليست بدوام كامل ولا هي دائمة، ’’لكن سنرى لاحقاً‘‘، قالت لي محدّثتي.

وتقيم لَيلى مع أسرتها في لافال قرب محطة مترو ’’كارتييه‘‘، أقرب محطات قطار الأنفاق الثلاث في في هذه المدينة إلى مونتريال.

ورفضت لَيْلى، من باب احترام الخصوصية، أن ألتقط لها صورة لأضعها في تقريري.

امرأة ترتدي حجاب رأس إسلامياً.

امرأة ترتدي حجاب رأس إسلامياً (أرشيف).

الصورة: Thawrih.com

وبالانتقال إلى فؤاد بن ضيف الله وزوجته مُنى، اللذين التقيت بهما في موقف السيارات الشاسع نفسه، يختلف الوضع مجدداً بالنسبة لمسار العمل، وإن كان هذان الزوجان أيضاً من الجزائر (وهذه محض صدفة أن يكون الأشخاص الأربعة الذين حاورتهم في هذا التقرير من أصلٍ جزائري).

قدم فؤاد بن ضيف الله إلى كندا مهاجراً عام 2004 وبحوزته ماجستير في علم المكتبات والمعلومات من جامعة منتوري في قسنطينة، مدينة الجسور المعلّقة في شمال شرق الجزائر.

اعترفت دائرة المعادلات في مقاطعة كيبيك بشهادة الماجستير في علم المكتبات والمعلومات التي حصلتُ عليها في الجزائر على أنها توازي شهادة ماجستير كندية
فؤاد بن ضيف الله، خريج جامعة منتوري في قسنطينة

لكنّ حصول فؤاد بن ضيف الله على عمل في مجال اختصاصه لم يكن سهلاً واستغرق بضع سنواتٍ تابع خلالها، وبمبادرة شخصية منه، دراساتٍ جامعية في مجال إدارة المعلومات الرقمية وحصل على شهادة فيها.

وبعد كدّ وجدّ ابتسم القدر لفؤاد بن ضيف الله فحصل قبل نحو 12 عاماً على عمل في المجال الذي كان قد تخصّص فيه في الوطن الأم وبالاستناد إلى شهادة الماجستير الجزائرية التي اعترفت بها دائرة المعادلات في كيبيك.

ومنذ ذاك الحين وفؤاد بن ضيف الله أمين مكتبة محترِف (bibliothécaire professionnel) يعمل لدى مركز الخدمات المدرسية في منطقة لورانتيد (Centre de services scolaires des Laurentides) التابع لوزارة التربية الكيبيكية.

وتقع منطقة لورانتيد إلى الشمال من لافال، المدينة التي يقيم فيها فؤاد بن ضيف الله وزوجته.

وفي نطاق عمله يهتمّ محدّثي بمكتبات مدرسية في عدة مدن في المنطقة المذكورة، كسان سوفور وسانت أديل ومون ترامبلان على سبيل المثال، وهي منتجعات جبلية شهيرة.

وأخبرني فؤاد بن ضيف الله أنه حصل عام 2018 على شهادة دكتوراه في علم المعلومات وإدارة المكتبات من الجزائر. وأضاف أنه كان يتردّد على الجزائر لهذه الغاية.

واعترفت أيضاً دائرة المعادلات في كيبيك بشهادة الدكتوراه الجزائرية كاملةً، وتسجّل فؤاد بن ضيف الله في جامعة مونتريال لمتابعة دكتوراه أُخرى في علم التربية النفسية.

رجل واقف في موقف سيارات وتبدو خلفه سيارات.

فؤاد بن ضيف الله واقفاً في موقف سيارات خاص بمركز تجاري عند تقاطع جادتيْ سان مارتان ودي لورانتيد في مدينة لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

أمّا مُنى، زوجة فؤاد بن ضيف الله، فكانت حاصلة في الجزائر على شهادة مهندس دولة في الكيمياء الصناعية وعلى شهادة ماجستير في هندسة العمليات.

كما باشرت دراسات الدكتوراه في جامعة 8 ماي (أيار) 1945 في مدينة قالمة في شمال شرق الجزائر، وكانت أيضاً تدرّس في هذه الجامعة، ولكن ليس بدوام كامل إنما كأستاذة أعمال تطبيقية عندما تدعو الحاجة.

’’استطعتُ أيضاً أن أعمل في شركة للأغذية الزراعية وهي كناية عن مصنع لتعليب الأغذية‘‘، أضافت مُنى.

ثمّ تزوّجت مُنى من فؤاد بن ضيف الله الذي كفلها كي تستطيع المجيء إلى كندا كمُهاجرة في إطار برنامج لمّ الشمل العائلي.

وفي مقاطعة كيبيك باشرت مُنى دراسات دكتوراه في علوم الطاقة والبيئة في المعهد الوطني للبحث العلمي (INRS (نافذة جديدة)) في مدينة فارين على الضفة الجنوبية لنهر سان لوران قبالة الطرف الشمالي الشرقي لجزيرة مونتريال.

تابعت مُنى جميع مقررات الدكتوراه لكنها، ’’لأسباب شخصية‘‘، لم تنجز كلّ ما كان مطلوباً منها للحصول على الشهادة. وتحوّلت بعد ذلك إلى اختصاص زوجها.

تابعتُ برنامج ماجستير في علم المعلومات (Maîtrise en sciences de l'information (نافذة جديدة)) في جامعة مونتريال وحصلتُ على الشهادة عام 2019. ثمّ عانيتُ وكافحتُ حتى حصلتُ على وظيفة
مُنى، مهاجرة جزائرية

وحصلت مُنى على عقد عمل في اختصاصها الجديد لدى مركز الخدمات المدرسية في تروا لاك (Centre de services scolaires des Trois-Lacs) في مدينة فودرُويْ دوريون المواجهة للطرف الجنوبي الغربي لجزيرة مونتريال. والمركز تابع لوزارة التربية الكيبيكية ومسؤول عن نحو 30 مدرسة في المنطقة.

وبما أنّ مُنى لا تدرّس لم يحُل ارتداؤها حجاب الرأس الإسلامي دون حصولها على عقد العمل.

وانتهى عقد العمل آخر حزيران (يونيو) الفائت، بعد أسبوع من نهاية العام الدراسي. وتسعى مُنى حالياً للحصول على عقد عمل جديد في علم المعلومات.

ولم تشأ مُنى، من باب احترام الخصوصية أيضاً، أسوةً بليلى، أن ألتقط لها صورة لأضعها في تقريري.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين