1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. المعتقدات والأديان

مكافحة اللاسامية: ’’الكلام والدراسات كافية أمّا الحاجة فللأفعال‘‘

رجل وامرأة جالسان إلى طاولة في مكتب وتبدو أشجار من النافذة وراءهما.

رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في (مقاطعة) كيبيك‘‘ جاك سَعدة ونائبة رئيس ’’المركز الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ في (مقاطعة) كيبيك إيتا يودين في مقرّ الجمعية الأولى في مونتريال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

Fadi Harouny

تنعقد الخميس المقبل في كندا قمة وطنية طارئة حول مكافحة اللاسامية. نطّلع في هذا التقرير على رأييْ شخصيتيْن من الجالية اليهودية، رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في (مقاطعة) كيبيك‘‘ (CSUQ) جاك سَعدة ونائبة رئيس ’’المركز الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ (CIJA) في مقاطعة كيبيك إيتا يودين، وقد التقيتهما أمس في مقرّ الجمعية الأولى في مونتريال.

وتُعقد هذه القمة غداة قمّة مماثلة حول مكافحة الإسلاموفوبيا. ويشارك في القمتيْن مسؤولون سياسيون وممثلو أحزاب المعارضة والمجتمع المدني وشخصيات أكاديمية.

يُشار إلى أنّ عدد جرائم معاداة السامية سجّل ارتفاعاً كبيراً في كندا ليبلغ مستويات ’’غير مسبوقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية‘‘ حسب الموفد الكندي الخاص للحفاظ على ذاكرة الهولوكوست (محرقة اليهود) ومكافحة اللاسامية الوزير الفدرالي الأسبق إروين كوتلر الذي عهدت إليه حكومة جوستان ترودو الليبرالية في أوتاوا مهمة تنظيم القمة حول معاداة السامية.

وفي مونتريال، كبرى مدن مقاطعة كيبيك، أحصى جهاز شرطة بلدية المدينة 33 جريمة كراهية معادية للسامية تمّ إبلاغه عنها في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، أي أكثر بثلاثة أضعاف ممّا أحصاه في الفترة نفسها من العام الفائت.

’’أولاً يجب تحديد معاداة السامية وتحديد أسبابها‘‘، قال رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘ جاك سَعدة (Jacques Saada)، التونسي المولد، وهو أيضاً وزير فدرالي أسبق، رداً على سؤالي حول تفسيره لارتفاع جرائم الكراهية التي تستهدف اليهود في كندا.

هناك ثلاث حركات رئيسية في التاريخ تدعم معاداة السامية. الأولى هي بالطبع دينية، ونتحدث هنا عن المسيحية واتهامها اليهود (بصلب يسوع)، ثم كان هناك تعريف للعرق وهو مفهوم اصطناعي بحت أوجده الأوروبيون في القرنيْن الثامن عشر والتاسع عشر وازدهر في القرن العشرين. والآن هناك تعريف آخر، ليس تفسيراً بل ظاهرة أخرى نعتمد عليها لشرح معاداة السامية وهي مسألة الشرق الأوسط
جاك سعدة، رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘

’’وفي الحالات الثلاث لا يوجد تفسير محتمَل، إنما ذرائع تمّ اتخاذها دوماً لمهاجمة اليهود عبر التاريخ‘‘، أضاف جاك سَعدة.

’’وما الهدف من مهاجمة اليهود؟‘‘، سألتُ محدّثي. ’’أعتقد أنه لا يوجد هدف حقيقي، خاصةً وأنّ معاداة السامية تختلف عن كلّ العنصريات الأخرى. العنصريات الأخرى هي تعاطٍ دوني مع الآخر‘‘ أجاب جاك سعدة مشيراً في هذا المجال إلى معاناة السود في الولايات المتحدة وإلى العلاقة بين التوتسي والهوتو في راوندا.

’’لكن في حالة اليهود هناك ذهنية تكوّنت (تجاههم) حول كليشيهات غير متماسكة، منها مثلاً أنهم مصرفيون ويملكون الأموال وما إلى ذلك، فيما على سبيل المثال 20% من اليهود هنا يعيشون تحت خط الفقر‘‘، أضاف جاك سَعدة.

اسم ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘ وشعارها على شاشة عرض بلازما عند مدخل الجمعية داخل مبنى في مونتريال، ونرى قسماً صغيراً من مكتب الجمعية من خلال واجهة زجاجية.

عند مدخل مكتب ’’الجالية السفاردية المتحدة في (مقاطعة) كيبيك‘‘ الكائن في مبنى على شارع كوت سانت كاترين (Chemin de la Côte-Sainte-Catherine) في حيّ كوت دي نيج (Côte-des-Neiges) في مونتريال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

أنا سعيد بانعقاد هذه القمة (حول مكافحة اللاسامية)، على أمل أن يتمكنوا من تحقيق أشياء ملموسة، لأنّ الكلام الذي قيل كافٍ وهناك الكثير من الدراسات التي تمّ إجراؤها، أمّا الآن فنحن بحاجة للأفعال
جاك سعدة، رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘

وأضاف جاك سَعدة أنّ الحكومة الفدرالية كما حكومات المقاطعات اتخذت عدة إجراءات، من بينها تبنّيها تحديد ’’التحالف الدولي لذكرى الهولوكوست‘‘ (IHRA - AIMH) لمعاداة السامية في إطار استراتيجية مكافحة العنصرية، ’’واتُّخذت تدابير قانونية وتشريعية لعزل معاداة السامية والكراهية وجعلهما شروطاً جنائية في القانون‘‘.

’’إذاً هناك أمور تمّ إنجازها‘‘، قال جاك سَعدة الذي فاز بمقعد ’’بروسار - لا بريري‘‘ (Brossard - La Prairie) تحت راية الحزب الليبرالي الكندي ثلاث مرات متتالية، فمثّل هذه الدائرة الواقعة جنوب شرق جزيرة مونتريال في مجلس العموم خلال الفترة الممتدة بين عاميْ 1997 و2006، والذي كان أيضاً وزيراً للفرانكوفونية وللإصلاح الديمقراطي وزعيماً لحكومة بول مارتان في مجلس العموم.

أعتقد أنّ المجال الذي لا تزال تتواجد فيه ثغرات كبيرة، وهي ثغرات ظاهرة دولياً، هو كلّ مسألة الترهيب على الإنترنت والكراهية التي تنشرها وسائل التواصل الاجتماعي. وبالإضافة إلى ذلك هناك قضايا أمنية وكذلك قضايا البرمجة في مجال التقارب بين الثقافات
جاك سعدة، رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘
علم إسرائيل أمام مدخل مبنى في حيّ كوت دي نيج في مونتريال.

مدخل مبنى ’’الحرم المجتمعي اليهودي‘‘ على شارع كوت سانت كاترين في حيّ كوت دي نيج في مونتريال. ويضمّ المبنى مكاتب جمعيات يهودية عديدة، من بينها ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘ والفرع الكيبيكي لـ’’المجلس الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ ومكتبة عامة يهودية، ويبدو العلم الإسرائيلي أمام المبنى.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

وسألتُ إيتا يودين (Eta Yudin) ما إذا كانت الخلفية الثقافية لمعادي السامية في كندا قد تغيّرت أو تنوّعت على مرّ السنين مع ازدياد التنوّع السكاني في كندا بفعل الهجرة.

معاداة السامية هي كالفيروس، قادرة على إصابة أيّ حركة وأيّ مجموعة، إن كانت من جهة اليمين أو من جهة اليسار، وهي تتطوّر وتتأقلم. لذا هي مشكلة يجب مواجهتها والتنديد بها بشكل فوري
إيتا يودين، نائبة رئيس ’المركز الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ في مقاطعة كيبيك

’’نحن محظوظون هنا في كندا، وفي مقاطعة كيبيك، لأننا نعيش في مجتمع معروف بأنه أحد الأفضل الذي يمكن العيش فيه حول العالم . نحن نعلم أنّ لا العنصرية ولا معاداة السامية هما من قيم كيبيك وقيمنا. ونعلم أنه عندما يكون هناك توترات في الشرق الأوسط يكون هناك وقع على الجاليات اليهودية حول العالم فنرى زيادة في حوادث معاداة السامية‘‘، أضافت إيتا يودين.

وفي ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة المتصلة بزيادة حوادث معاداة السامية عند حصول توترات وحروب بين إسرائيل والفلسطينيين، سألتُ إيتا يودين ما إذا كان الدعم العلني القوي لإسرائيل من قبل بعض الجمعيات اليهودية في كندا يمكن له، حسب رأيها، أن يثير غضبَ أشخاص مناوئين لإسرائيل، لاسيما إذا ما كان الردّ الإسرائيلي غير متكافئ حسب مصادر مستقلة. فهل لهذا الأمر دور ما في زيادة اللاسامية؟

إسرائيل هي كأيّ دولة أُخرى في العالم. يمكننا انتقاد سياستها، يمكننا أن نكون مع أو ضدّ إجراءات أو قرارات تتخذها، لكن ليس من المعقول بأيّ حال من الأحوال أن نقول إنّ ذلك يضفي شرعية على اللاسامية ضدّ الجالية اليهودية
إيتا يودين، نائبة رئيس ’’المركز الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ في مقاطعة كيبيك

’’نحن في طليعة القائلين إنّه في الديمقراطيات، حيث تسود حرية التعبير، يجب أن يكون المرء قادراً على الانتقاد وعلى التعبير عن رأيه الداعم أو الرافض لأيّ موضوع أو قضية‘‘، أضافت إينا يودين، لكن إذا أصبح ذلك ’’تبريراً للعنف ضدّ أشخاص‘‘، وفي هذه الحال ضدّ اليهود، ’’يتحول الأمر إلى مشكلة حقيقية، إلى معاداة للسامية، ولا يمكن القبول به، وهنا دور القادة السياسيين، في كندا وحول العالم، بأن ينددوا ويؤكدوا على أنّه لا يمكن القبول بمعاداة السامية ولا بالعنصرية إذا أردنا الحفاظ على المجتمع الذي نثمّنه في كندا‘‘.

ومن جهته شدّد جاك سَعدة على ’’التمييز بين انتقاد قرار للحكومة الإسرائيلية أو الوضع السياسي في إسرائيل، وبين إظهار ارتباط غير مشروط بوجود دولة إسرائيل‘‘، وأعرب عن أسفه لإطلاق هتافات معادية للسامية في بعض التظاهرات تنال من حقّ إسرائيل في الوجود وتهاجم اليهود، ورأى أنّ ذلك ’’غير مقبول‘‘ ويشكل ’’خلطاً خطيراً‘‘ للأمور.

مبنى على شارع رئيسي تظلّل مدخله الأشجار وتمرّ أمامه سيارات.

مبنى ’’الحرم المجتمعي اليهودي‘‘ عند تقاطع شارع كوت سانت كاترين (الذي تسير فيه السيارات في الصورة) وجادة ويستبوري في حيّ كوت دي نيج في مونتريال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

وأكّد جاك سَعدة وإيتا يودين أنهما مع حلّ للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي قائم على دولتيْن مستقلتيْن تعيشان بسلام جنباً إلى جنب، وأنّ الجمعيتيْن اللتيْن يمثلانهما في كندا تتبعان سياسة مدّ الجسور والتعاون مع مختلف مكونات المجتمع الكندي ومن ضمنه العرب والمسلمون.

وقالت في هذا السياق نائبة رئيس ’’المركز الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ في مقاطعة كيبيك إنّ جمعيتها تعاونت خلال جائحة ’’كوفيد - 19‘‘ مع جمعيات تمثل مختلف الأديان، لاسيما الإسلام والمسيحية، في المحادثات التي جرت مع سلطات الصحة العامة في المقاطعة من أجل الاستجابة لاهتمامات المجتمعات الدينية واحتياجاتها في ظلّ الإجراءات الصحية التي كانت سائدة، ’’وهذا مثال على التعاون في العمل كشركاء‘‘.

كما أشارت إيتا يودين إلى الهجوم المسلح على مسجد كيبيك الكبير في 29 كانون الثاني (يناير) 2017 الذي أوقع ستة قتلى عدا الجرحى والمعاقين، فقالت إنّ جمعيتها والجمعيات اليهودية بشكل عام كانت في طليعة المنددين بهذا ’’الحدث المأساوي‘‘ وإنها شخصياً حضرت جنازة الضحايا.

من المهم أن ندعم بعضنا البعض في الأوقات الصعبة، ويجب علينا أيضاً أن نعمل معاً لبناء مجتمع لأولادنا جميعاً
إيتا يودين، نائبة رئيس ’’المركز الاستشاري للعلاقات اليهودية والإسرائيلية‘‘ في مقاطعة كيبيك
سيارات تمرّ أمام مبنى ذي واجهة زجاجية.

مركز ’’سيغال‘‘ (Segal) للفنون المسرحية الواقع قبالة ’’الحرم المجتمعي اليهودي‘‘ على شارع كوت سانت كاترين في مونتريال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

من جهته قال جاك سَعدة إنّ ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘ تتواصل مع ’’دار المغرب‘‘ (المركز الثقافي المغربي التابع لسفارة المغرب في كندا) وأيضاً مع جمعيات مسلمة غير حكومية ومع كنديين مسلمين وتتعاون معهم في أنشطة مشتركة. ومن بين الأمثلة على ذلك مشاركات في المحاضرات التي تنظّمها الجمعية في إطار مهرجانها السنوي ومنها ما يتصل بحقوق المرأة وبمسائل اجتماعية أُخرى تهمّ كافة المواطنين.

نعمل كثيراً مع الجميع، بما يتجاوز السياسة. بما أننا نعيش في كندا نتحمّل مسؤولية، كأعضاء في المجتمع الكندي، لتنمية عيشٍ مشترك بشكل متناغم بحيث يشعر الجميع بالرضا، ونبذل هذا الجهد بشكل منهجي، ولسنا الوحيدين فالآخرون يفعلون ذلك أيضاً، ونتشارك في هذه الرغبة في الانسجام بيننا، ونقوم بتحقيق ذلك
جاك سَعدة، رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘

’’سأعطيك مثالاً آخر، بسيطاً جداً، لكنه يوضح الكثير من الأشياء‘‘، أضاف جاك سَعدة. فأخبرني أنه قبل نحو عشرين عاماً أرادت الجالية المسلمة في بروسار بناء مسجد، لكنها واجهت مشاكل مع بلدية المدينة حول الموقع وكيفية البناء ونقاط أُخرى. فطُلب منه التوسّط، كونه نائب الدائرة، ’’وقمتُ فعلاً بدور الوسيط وفي النهاية تمّ بناء المسجد‘‘.

’’وقبل عاميْن، خلال تجمّع كبير للجالية المسلمة في بروسار ذُكر أنّ يهودياً سهّل الأمور لبناء المسجد‘‘، أضاف جاك سَعدة مؤكّداً أنّ أهمّ ما في هذه الحادثة ليس دوره الشخصي إنّما "الروحية التي تُنجز فيها أمور من هذا النوع‘‘.

يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن يغمرنا التصور الذي تعطية أقلية من الناس تقوم بأفعال معادية للسامية مؤسفة للغاية يجب التنديد بها والسيطرة عليها. يجب ألا ندع تلك الأفعال تحتل مركز الصدارة. الشيء المهم في ما نقوم به هنا، وبما يتجاوز مكافحة اللاسامية، هو القيام به من خلال سبل التقارب التي تبعث على الأمل أكثر بكثير ممّا نراه في الصحف عن الهجمات أو جرائم الكراهية أو تلك المعادية للسامية
جاك سَعدة، رئيس ’’الجالية السفاردية المتحدة في كيبيك‘‘

واستشهد جاك سَعدة بقول مأثور لفرانتز فانون، الفيلسوف الاجتماعي العالم ثالثي، الفرنسي الجنسية والذي انضم إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، صاحب كتاب ’’مُعذَّبو الأرض‘‘ (آخر كتبه والصادر قبل أيام من وفاته عام 1961): ’’عندما تسمع أشياء سيئة عن اليهود أصغِ جيداً، فالحديث هو عنك‘‘.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين