1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. الهجرة

من ويلات الحرب في سوريا إلى الفرص والتحديات في كندا: تجربتا مهاجريْن

متجرا ’’جلديات ميرو‘‘ و’’أونيبريس للتنظيف الجاف‘‘ في حيّ شوميدي في لافال ونرى أمامهما سيارتيْن مركونتيْن.

متجرا ’’جلديات ميرو‘‘ و’’أونيبريس للتنظيف الجاف‘‘ في حيّ شوميدي في لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

Fadi Harouny

-- تقرير سابق نشرناه في 14 تموز (يوليو) 2021 ونعيد نشره اليوم --

هاجرا من سوريا مع عائلتيهما بسبب الحرب وانطلقا في حياة جديدة في كندا حيث الفرص والتحديات. نطّلع في هذا التقرير على تجربتيْ نعيم ميرو وفرج الله هبّ الريح في مجال الأعمال.

وصل نعيم ميرو مع زوجته وأولادهما الأربعة إلى كندا في كانون الثاني (يناير) 2016. قدموا من العاصمة السورية دمشق حيث تزاول أسرة ميرو صناعة المنتجات الجلدية منذ عام 1950.

نعيم ميرو نفسه تخصص في الهندسة الإلكترونية في جامعة دمشق وعمل في هذا المجال 25 سنة في سوريا. لكنّ الصناعات الجلدية، وبشكل خاص الأحذية والأحذية الطبية ونعال تقويم العظام، هي مهنة والده وأخوته وعمّه. ولا يزال متجر ’’أحذية ميرو‘‘ موجوداً في دمشق لغاية اليوم، كما أخبرني ربّ العائلة الذي افتتح متجر ’’جلديات ميرو‘‘ في حيّ شوميدي في مدينة لافال قبل أكثر من ثلاث سنوات.

في عائلتنا اهتمام من الأساس بالعلم، لكن تربينا أيضاً على أنّ المهنة أساسية وتتيح لك أن تقف على رجليك. ’’تعلّم المهنة مع علمك‘‘، كان يقول لي أهلي. هذا ما طبّقته في سوريا وهذا ما استطعتُ الاستفادة منه هنا في كندا، فافتتحتُ هذا المتجر الذي لولاه لاضطررنا لطلب المساعدة من الدولة لتأمين نفقات العائلة في بلدنا الجديد
نعيم ميرو، صاحب متجر ’’جلديات ميرو‘‘ في لافال
حقائب يد وسترات وزنانير وأحذية مصنوعة من الجلد معروضة في متجر.

داخل متجر ’’جلديات ميرو‘‘ في حيّ شوميدي في لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

وفي متجره يبيع نعيم ميرو مصنوعات جلدية مختلفة: حقائب يد (جزادين) وسترات نسائية وزنانير (أحزمة) وأحذية.

ويضمّ متجره مشغلاً يقوم فيه بإصلاح مختلف المنتجات الجلدية، من أحذية وسترات وسواها. وهو كان يعمل في المشغل عندما دخلتُ متجره أمس.

سألته ما إذا كان هناك إقبال في مجتمعنا الاستهلاكي على إصلاح الاحذية، فردّ بالإيجاب.

’’راحة الراس (الرأس) من راحة المداس‘‘، أضاف نعيم ميرو، ’’فإذا لم يكن الإنسان مرتاحاً في الحذاء الذي يمشي به سيصاب جسده بالتعب من القدميْن حتى أعلى الرأس!‘‘.

كلّ منتج جلدي، من حذاء وغيره، قابل للإصلاح أقوم بإصلاحه وأعيده لصاحبه بشكل لائق. أهمّ ما في الأمر بالنسبة لي أن يكون الزبون راضياً
نعيم ميرو، صاحب متجر ’’جلديات ميرو‘‘ في لافال

كانت حركة الزبائن جيدة وفي تحسّن متواصل في متجر نعيم ميرو إلى أنّ حلت جائحة ’’كوفيد - 19‘‘، فتراجع العمل. لكنّ الوضع عاد يتحسّن تدريجياً مع تخفيف القيود الاحترازية المتصلة بالجائحة. لكن بالرغم من التحسّن، مستوى العمل في المتجر حالياً هو بحدود 30% من مستواه قبل حلول الجائحة في آذار (مارس) 2020.

رجل يقف في مشغل نرى فيه معدات تستخدم في إصلاح المنجات الجلدية.

نعيم ميرو في مشغل إصلاح الأحذية وسائر المنتجات الجلدية الكائن في متجره في حيّ شوميدي في لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

وتابع نعيم ميرو دروساً بالفرنسية عقب وصوله مع عائلته إلى لافال وأصبح يتحدث لغة موليير بشكل جيد يتيح له التعاطي بكل سهولة مع زبائنه. لكنّ أفراد العائلة لم يكونوا بحاجة لمثل هذه الدروس لأنهم كانوا يتحدثون الفرنسية بطلاقة. أمّا الإنكليزية فيجيدها محدّثي منذ أن كان يعمل في سوريا.

ويعمل نعيم ميرو لوحده في متجره. أمّا زوجته، التي كانت صيدلانية في سوريا، فتعمل في بلدها الجديد كفنية في إحدى الصيدليات.

وابنته الكبرى التي كانت في ثاني سنة صيدلية في جامعة دمشق عندما هاجرت العائلة إلى كندا تخرّجت أخصائية تغذية من جامعة مونتريال وتعمل في أحد المراكز التابعة لوزارة الصحة الكيبيكية في مونتريال. أمّا ابنه الأكبر فتخصّص في التصميم الغرافيكي ويعمل في هذا المجال. والصبي والبنت الأصغر سناً، وهما توأم، يتابعان الدراسة ما بعد الثانوية في أحد المعاهد.

وتقيم العائلة في منزل اشترته في حيّ سانت دوروتيه المجاور لحيّ شوميدي. وهذا الأخير هو أكبر أحياء لافال من حيث عدد السكان (تجاوز عدد سكانه 100 ألف نسمة قبل عشر سنوات)، وهو أيضاً الأكثر تنوعاً ثقافياً في هذه المدينة الواقعة إلى الشمال مباشرة من جزيرة مونتريال. ويشكل القادمون من العالم العربي شريحة واسعة من سكانه.

رجل يقف في متجره فرب شهادة معلقة على الجدار.

فرج الله هبّ الريح داخل متجره للتنظيف الجاف وتبدو على الجدار شهادة ممنوحة من مؤسسة ThreeBestRated لمراجعة الأداء المهني وتقييمه تفيد بأنّ متجره هو أحد أفضل ثلاثة متاجر للتنظيف الجاف في لافال لعام 2020.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

أمّا فرج الله هبّ الريح فهو جار نعيم ميرو، فمتجراهما متلاصقان. ويقدّم هبّ الريح في متجره خدمة التنظيف الجاف للملابس وخدمة إدخال تعديلات على الملابس (تقصير وتضييق وما شابه ذلك) أو إصلاحها.

وفرج الله هبّ الريح من حلب، كبرى مدن الشمال السوري والتي دمّرت الحرب أجزاء واسعة منها خلافاً لدمشق التي خرجت من الحرب بأضرار محدودة.

غادر فرج الله هبّ الريح سوريا مع أفراد عائلته عام 2012 إلى لبنان المجاور ومنه هاجروا إلى كندا عام 2015.

استقرت العائلة في لافال وكان فرج الله هبّ الريح يفكّر بمشروع من اثنيْن: إمّا متجر للتنظيف الجاف وإمّا محطة وقود للسيارات. في البدء دخل شريكاً في محطة وقود، لكنه لم يحب هذه المهنة، فاتجه إلى التنظيف الجاف واشترى متجره الحالي عام 2016.

وأطلق فرج الله هبّ الريح وزوجته ناتالي على متجرهما اسم ’’أونيبريس للتنظيف الجاف‘‘ (Nettoyeur UniPresse): يهتمّ هو بخدمة التنظيف الجاف فيما تتولى هي مهمة تعديل الملابس، من فساتين عرائس وفساتين سهرة وسواها، بمهنية رفيعة كما أخبرني (وكانت هي خارج المتجر عندما دخلتُه).

وسألتُ فرج الله هبّ الريح ما إذا كان ملماً بهذه المهنة قبل مجيئه إلى كندا، فأجابني أنه أثناء إقامته في لبنان كان يتردّد على متجر للتنظيف الجاف قريب من مكان إقامته في بيروت، فكان صاحب المتجر يخبره عن المهنة ويشرح له تقنياتها. وعندما اشترى متجره الحالي في لافال واكبه البائع، صاحب المتجر، مدة 15 يوماً في العمل، كما أنّ عمّال المتجر ظلوا يعملون فيه.

ألبسة تمت معالجتها بالتنظيف الجاف في مؤسسة فرج الله هبّ الريح في لافال وباتت جاهزة لأن تُسلَّم لأصحابها.

ألبسة تمت معالجتها بالتنظيف الجاف في مؤسسة فرج الله هبّ الريح في لافال وباتت جاهزة لأن تُسلَّم لأصحابها.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

عندما اشترينا المتجر كان قديماً جداً وآلاته كانت أيضاً قديمة. قمنا بتجديد المتجر كاملاً وجهزناه بآلات حديثة. وبعد أن كان زبائن المتجر الأساسي بشكل رئيسي من كبار السنّ زاد إقبال جيل الشباب على المتجر بحلته الجديدة. تعبنا في السنوات الثلاث الأولى، لكنّ هذا التعب أتى ثماره فكثر العمل
فرج الله هبّ الريح، صاحب متجر ’’أونيبيرس للتنظيف الجاف‘‘ في لافال.

لكنّ جائحة ’’كوفيد - 19‘‘ أرخت بظلالها على سير العمل في المتجر. فظاهرة العمل عن بُعد، من المنزل، خلال الجائحة خفّفت حاجة الموظفين للتنظيف الجاف، كما أنّ أعمال تعديل الألبسة، لاسيما فساتين الأعراس والسهرات، تراجعت هي الأُخرى بسبب الإجراءات الاحترازية المفروضة من قبل السلطات للحدّ من انتشار الجائحة.

ومع تخفيف القيود المتصلة بالجائحة واستعادة الناس بشكل تدريجي نمط الحياة ’’العادي‘‘ الذي كان سائداً قبل الجائحة عاد إقبال الزبائن بشكل تدريجي على الخدمات التي يقدّمها المتجر. وبعد أن تراجع مستوى العمل إلى 30% خلال الجائحة مقارنةً بالفترة التي سبقتها، تجاوز حالياً الـ50% ويأمل فرج الله هبّ الريح في أن يصل إلى سابق عهده بحلول نهاية السنة الحالية.

تقاطع طرق وسيارات ومعبد يهودي في حيّ شوميدي في لافال.

تقاطع جادة نوتر دام وشارع دو كالفيه من الجهة المقابلة لمتجريْ نعيم ميرو وفرج الله هبّ الريح في حيّ شوميدي في لافال، ويبدو في يمين الصورة كنيس للطائفة اليهودية.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

وتابع فرج الله هبّ الريح وزوجته دروساً في اللغة الفرنسية عند وصولهما إلى كندا. لكنّ ابنتهما كانت تتقن الفرنسية وساعدها هذا الأمر في دراستها، فدخلت إلى جامعة مونتريال ودرست علم الأحياء وحصلت على ماجستير وستباشر تدريباً في مجال اختصاصها في أيلول (سبتمبر) المقبل.

في سوريا كان يُطلق على فرج الله اسم ’’فرجو‘‘ تودداً، وفي كندا احتفظ بالنصف الثاني من ’’فرجو‘‘ فيناديه الزبائن بـ’’جو‘‘ وهو اسم نطقه أسهل بكثير من ’’فرج الله‘‘ على من ليست العربية لغتهم الأم.

ولم تتح الظروف لفرج الله هبّ الريح زيارة الوطن الأم منذ وصوله إلى كندا، لكنّه ينوي القيام بذلك هذه السنة.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين