1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. الهجرة

المُهاجِر وتحديات العمل: عندما يستوجب الحصول على وظيفة تحوّلاً مهنياً

رجل يقف تحت شجرة في متنزه ويبدو في عمق الصورة مرمى كرة قدم.

الكندي الجزائري سليم سلّاوي واقفاً في متنزّه غوتييه القريب من مكان سكنه في مدينة لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

Fadi Harouny

تفرض ظروف الحياة في مجتمع الاستقبال تحولاً مهنياً على الكثيرين من القادمين الجدد. نطّلع في هذا التقرير على مسيرة مهاجر جزائري.

قدِم سليم سلّاوي وزوجته وطفلاهما إلى كندا كمهاجرين في أيار (مايو) 2013. كانت العائلة تقيم في الجزائر العاصمة حيث كان سليم يعمل صحفياً في القناة الأرضية التابعة للتلفزيون الوطني الجزائري وكانت زوجته موظفة إدارية في مؤسسة أُخرى.

ويعمل سليم سلّاوي حالياً كمساعد في مجال الخدمات الصحية والاجتماعية (ASSS) في دور الرعاية المتواصلة (RAC) التابعة لأحد المراكز الجامعية المتكاملة للخدمات الصحية والاجتماعية (CIUSSS) في مونتريال التي تتبع بدورها وزارة الصحة الكيبيكية.

لكنّ اختيار سليم سلّاوي هذه المهنة التي يحبها جاء بعد محاولات للاستمرار في مهنته الأساسية التي ’’يعشقها‘‘، كما أخبرني عندما التقيته في حيّ لافال دي رابيد (Laval-des-Rapides) في مدينة لافال الذي انتقل إليه مع العائلة نهاية العام الماضي من الحيّ المعروف بـ’’المغرب الصغير‘‘ (Petit Maghreb) في حيّ سان ميشال في مونتريال. التقينا أمام المبنى الذي يقيم فيه وقصدنا متنزّه غوتييه (نافذة جديدة) المجاور مستفيدين من هدنة جوية وسط العواصف المطرية التي طبعت هذا الأسبوع.

في الوطن الأم حصل سليم سلّاوي على بكالوريوس في علوم الاتصال أتاح له العمل في التلفزيون الوطني. ويحفل سجلّه ’’بأكثر من 17 سنة خبرة من العمل الصحفي، كمعدّ ومحرّر ومقدّم برامج‘‘. وإضافة إلى عمله مع التلفزيون الوطني الجزائري كانت له مساهمات رئيسية في ريبورتاجات في الإعلام الخاص. وعند وصوله مع العائلة إلى كندا، إلى مونتريال تحديداً، حاول أن يجد عملاً في هذا المجال.

في اختصاصنا جانبٌ فني وإبداعي، فأيّ صحفي يعمل في الإعلام السمعي البصري يُحبّ هذه المهنة كثيراً ويعشقها. وبالتالي من الصعب أن تتنازل عن خبرتك وتجربتك
سليم سلّاوي، صحفي مهاجر
معهد أندريه غراسيه في مونتريال ويبدو علم كيبيك يرفرف فوق واجهته ونرى بعض الأشجار أمامه.

معهد أندريه غراسيه في مونتريال (تأسس عام 1927) حيث تابع سليم سلّاوي برنامجاً في تقنيات السينما والتلفزيون.

الصورة: Jean Gagnon / Wikipédia

بعد بضعة أشهر على استقرار العائلة في كبرى مدن مقاطعة كيبيك وجد سليم سلّاوي أنّه قد يعزّز فرصه في الحصول على عمل في الإعلام السمعي البصري إذا ما تابع برنامجاً دراسياً في هذا المجال. فتوجّه إلى معهد ’’أندريه غراسيه‘‘ (Collège André-Grasset)، في مونتريال أيضاً، حيث تابع برنامجاً تكوينياً مدته سنة في مجال تقنيات السينما والتلفزيون، وحصل كطالب على منحة وقرض مالييْن من وزارة التربية الكيبيكية.

أنهى سليم سلّاوي الدراسة ونال الدبلوم من المعهد المذكور لكنه كان خائباً بعض الشيء، فهو كان يتوقّع تركيزاً أكبر في البرنامج الدراسي على مادة الإخراج. وفي النهاية وجد أنّ كلّ ما تعلّمه في المعهد لم يضف كثيراً إلى معلوماته وخبرته المهنية.

لم تفتح هذه الشهادة الجديدة لسليم سلّاوي أبواب سوق العمل، كما أنّ عدم إتقانه بالشكل المطلوب الفرنسية أو الإنكليزية شكّل عقبة أمام حصوله على عمل في الصحافة في محطات التلفزة والإذاعة الرئيسية في مونتريال.

سألته لماذا لم يتوجّه منذ البداية إلى إحدى الجامعات المونتريالية لمتابعة دراسات عليا في حقل الإعلام، فأجابني أنّ الدراسات العليا تستغرق وقتاً أطول وأنه لم يكن يملك ترف الوقت، كان يريد الحصول على عمل في مجال اختصاصه بأسرع وقت ممكن، فلديه مسؤوليات عائلية.

وفي وقت لاحق تابعت زوجته دراسات في السكريتاريا الإدارية في معهد ’’إميكا‘‘ (EMICA) في مونتريال ووجدت عملاً بسهولة بعد نيلها الشهادة. ’’كنتُ أقوم بواجبي تجاه الأطفال: المدارس والطبخ وإلى غير ذلك‘‘، قال لي سليم سلّاوي عن تلك الفترة.

منازل في حيّ سكني في مدينة لافال.

يقيم سليم سلّاوي في قطاع هادئ من حيّ لافال دي رابيد في مدينة لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

كبرت العائلة في مونتريال مع ولادة طفل ثالث وازدادت المسؤوليات، وأخذ سليم سلّاوي يبحث عن مجال عمل جديد يؤمّن دخلاً مقبولاً ويجنّبه التوجّه إلى أعمال جسدية متعبة تبدأ أجورها بالحدّ الأدنى. وهذه الأعمال متوفرة في المصانع والمستودعات وسواها، ويُقبل عليها الكثير من المهاجرين، ومن بينهم المغاربيون، عندما لا يجدون أفضل منها، كما قال لي سلّاوي، وهي أعمال يصعب فيها الترقي الوظيفي.

هناك واقع تراه بعينك: جئتُ إلى هنا مهاجراً، عليّ التأقلم مع الوضع. لديّ أسرة ومسؤوليات. درستُ الوضع فرأيتً أنّ العمل المضمون هو في القطاع العام وأنّ الأفضل هو قطاع الصحة
سليم سلّاوي، مهاجر جزائري.

وقع اختيار سليم سلّاوي على مهنة مساعد المرضى (préposé aux bénéficiaires)، فالطلب عليها مرتفع ومدة الدراسة قصيرة: تستغرق ثمانية أشهر للدراسة والتدريب. فتابع برنامج ’’مساعدة الفرد في المؤسسة (الصحية) والمنزل‘‘ (APED (نافذة جديدة)) في معهد ’’فوبور دو مونتريال للمهن" (École des métiers des Faubourgs-de-Montréal (نافذة جديدة)).

وكان من المقرَّر أن ينهي سليم سلّاوي دراسته في أيار (مايو) 2020 لكنّ جائحة ’’كوفيد - 19‘‘ أرخت بظلالها على سير الدروس وتسببت بتأخيرها، فكان أن نال شهادة دبلوم دراسات مهنية (DEP) في البرنامج المذكور أعلاه في كانون الأول (ديسمبر) الفائت.

وفي عمله الجديد سليم سلّاوي موظّف دائم تابع للمركز الجامعي المتكامل للخدمات الصحية والاجتماعية (CIUSSS) في وسط جنوب جزيرة مونتريال، ويحقّ له العمل في المستشفيات وفي مراكز الرعاية الطويلة الأمد (CHSLD) التي يقيم فيها أشخاص مسنّون وفي دور الرعاية المتواصلة (RAC) التي تهتمّ بأشخاص مصابين بإعاقات ذهنية أو بطيف التوحد.

اختار سليم سلّاوي العمل كمساعد في مجال الخدمات الصحية والاجتماعية في دور الرعاية المتواصلة. وبما أنه يحق له الانتقال من واحدة إلى أُخرى من فئات المؤسسات الثلاث المذكورة أعلاه جرّب العمل في أحد المستشفيات كمساعد للمرضى مدة شهر لكنّه فضّل العودة إلى دور الرعاية المتواصلة.

نعتني بهم كما لو أننا أفراد من عائلتهم، نقوم بإطعامهم وغسلهم وإعطائهم أدويتهم، نأخذهم إلى المستشفيات ونجري لهم جولات خارج دور الرعاية، ودوماً تحت إشراف مساعدين تربويين
سليم سلّاوي عن عمله مع نزلاء دور الرعاية المتواصلة.
طلاب برنامج ’’مساعدة الفرد في المؤسسة (الصحية) والمنزل‘‘ (APED) في معهد ’’فوبور دو مونتريال للمهن‘‘ في آخر يوم تدريب لهم في صورة نشرت في 9 تموز (يوليو) 2021 على صفحة المعهد ويبدون فرحين بنهاية البرنامج الدراسي فيما هم واقفون حول سرير مستشفى فارغ في غرفة عمليات.

طلاب برنامج ’’مساعدة الفرد في المؤسسة (الصحية) والمنزل‘‘ (APED) في معهد ’’فوبور دو مونتريال للمهن‘‘ في آخر يوم تدريب لهم في صورة نشرت في 9 تموز (يوليو) 2021 على صفحة المعهد.

الصورة: Facebook / École des métiers des Faubourgs-de-Montréal

ويبدى سليم سلّاوي أسفه لرؤيته القليل من المغاربيين وسائر العرب في مهنته الجديدة ويشجّعهم على الإقبال عليها.

’’هذه المهنة مُحترَمة وراتبها مقبول، لا بأس به، يعني أكثر من 20 دولاراً في الساعة، وهي أفضل من الأعمال الجسدية المتعبة ذات الأجور المتدنية التي يزاولها الكثير من المهاجرين‘‘، قال لي.

وأخبرني سليم سلّاوي أنّ معظم مزاولي مهنته هم من الهايتيين والأفارقة (من دول جنوب الصحراء) وهناك أيضاً بعض الكيبيكيين من ذوي الأصول الكندية الفرنسية. وبالنسبة للتوزيع الجندري الغالبية من النساء.

وسألتُ محدّثي عمّا، برأيه، يُبعد المغاربيين وسائر العرب عن مهنته، فأجابني ’’يتهرب الكثيرون من هذه المهنة لأنّ من يزاولها يكشف على عورات المرضى، فيقولون ’’هذا حرام!‘‘، والبعض الآخر يتقزّز منها فيقول ’’كلّ شيء إلّا هذا العمل!‘‘. أظنّ أنّ هناك خلفيات في الجانب الثقافي، في الموروث العربي، أنّ المرأة مرأة والرجل رجل‘‘.

ويشير سليم سلّاوي إلى أنّ مهنته الجديدة هي من الاختصاصات التي تكاد تكون غير موجودة في العالم العربي حيث يهتمّ الأولاد بأهلهم عندما يكبرون في السنّ أو يمرضون.

المسألة مسألة شجاعة فقط، فعندما تدرس عن جسم الإنسان ترى كلّ شيء، كلّ عضو. ومن الناحية الدينية ستكسب أجراً عندما تقوم بغسل مريض ومساعدته، هذا عمل صالح والله سيحبّك لأنك قمتَ به
سليم سلّاوي، مساعد في مجال الخدمات الصحية والإجتماعية في مونتريال

وإضافة إلى اقتناعه التام بوظيفته الجديدة ودورها الإنساني يحبّ سليم سلّاوي المرونة المتاحة له في العمل. فهو قادر على اختيار دوام نهاري أو مسائي وأن يطلب لاحقاً استبدال دوام بآخر إن رغب في ذلك. كما أنّ بإمكانه القيام بساعات عمل إضافية، فيرتفع راتبه، أو على عكس ذلك تقليص ساعات العمل إن أحب تخصيص مزيد من الوقت لعائلته، كأن يعمل نهاية الأسبوع فقط أو ثلاثة أيام في الأسبوع مثلاً.

سيارات ومتاجر على جانبيْ شارع جان تالون في حيّ المغرب الصغير في مونتريال.

شارع جان تالون في الحيّ المعروف بـ’’المغرب الصغير‘‘ في مونتريال الذي أقام فيه سليم سلّاوي وأفراد عائلته عند وصولهم إلى كندا ولغاية انتقالهم إلى مدينة لافال نهاية العام الفائت. ويتميّز الحيّ بحضور مغاربي كثيف ويزخر شارع جان تالون ضمنه بمتاجر ومقاهٍ مغاربية.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

أمّا موقع سكنه الجديد في لافال فيصفه سليم سلّاوي، بمودّة، بـ’’عنبر النوم‘‘ لكثرة هدوئه. والمبنى الذي استأجر فيه مسكناً قريبٌ من محطة مترو ’’دو لا كونكورد‘‘ بحيث أنه إذا خرج منه سيراً على الأقدام إلى المحطة يصل إلى مونتريال في ربع ساعة. لكنّ الحياة الاجتماعية للعائلة فلا تزال تتمحور حول حيّ ’’المغرب الصغير‘‘ حيث أقامت عند وصولها إلى مونتريال وحيث للجالية المغاربية حضور قوي و’’حيث يتواجد الأصدقاء والأحباب‘‘، كما قال لي محدّثي، ’’والأطفال يلحّون كي نعود إليه وقلت لهم قد نفعل ذلك في المستقبل إذا وجدنا فيه مسكناً لائقاً‘‘.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين