1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. الهجرة

تحديات الحصول على عمل للمُهاجِر: شهادتان لزوجيْن

رجل وزوجته في حديقة المبنى الذي يقيمان فيه.

جورج تنوري وزوجته رامونا في حديقة المبنى الذي يقيمان فيه مع أطفالهما الثلاثة في لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

Fadi Harouny

-- تقرير سابق نشرناه للمرة الأولى في 7 تموز (يوليو) 2021 ونعيد نشره اليوم --

مسيرة الحصول عن عمل لا تخلو من التحديات، والتحديات تكون في العادة مضاعفة للمهاجرين. نطّلع في هذا التقرير على مسيرتيْن حافلتيْن بالتحديات لزوجيْن لبنانييْن يعملان في مجاليْن مختلفيْن.

جورج تنّوري معلّم سباكة يملك نحو عشرين سنة من الخبرة في مهنته، لكنه غير قادر بعد على مزاولتها في كندا، وتحديداً في مقاطعة كيبيك حيث يقيم مع زوجته رامونا وأطفالهما الثلاثة. أمّا الزوجة فبدأت تعمل كممرضة بعد مسار حافل بالتحديات.

ليتهم يسهّلون الأمر قليلاً على المهاجرين من العمّال المهرة، فالسوق المحلية بحاجة لهذه اليد العاملة. ليتهم مثلاً يتيحون لهذا المهاجر الماهر في مهنة يدوية أن يقدّم الامتحان الخطي بلغته الأم
جورج تنّوري، مهاجر لبناني

مشكلة جورج تنّوري الذي وطأ الأراضي الكندية للمرة الأولى عام 2014 هي اللغة الفرنسية، كما أخبرني أمس على شرفة الشقة السكنية الصغيرة التي يقيم فيها مع عائلته في حيّ شوميدي (Chomedey) في لافال، ثالثة كبريات مدن مقاطعة كيبيك والواقعة مباشرة إلى الشمال من جزيرة مونتريال.

أشجار في متنزه يحمل اسم المؤلف الموسيقي العالمي شوبان.

متنزّه على اسم المؤلف الموسيقي البولندي الفرنسي ذي الشهر العالمية فريديريك فرانسوا شوبان (1810 - 1849) قبالة المبنى الذي يقيم فيه جورج تنّوري وزوجته رامونا في حيّ شوميدي في لافال، ويبدو بعض الأطفال يلعبون على المراجيح في يسار الصورة.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

اكتسب جورج تنّوري خبرته في مهنة السباكة عن طريق الممارسة في لبنان إلى أن أصبح ’’معلّم أدوات صحية وشوفاج (تدفئة)‘‘ كما يُعرف معلّم السباكة في هذا البلد العربي. فكان يقوم بكلّ أعمال السباكة والإمدادات الخاصة بأجهزة التدفئة المركزية في الأبنية السكنية التي يحصل فيها على عقود. كما أنه عمل في مهنته في فندق ’’هيلتون‘‘ في مالابو، عاصمة غينيا الاستوائية.

اعترفت لجنة البناء في مقاطعة كيبيك (CCQ) بخبرتي المهنية استناداً إلى وثائق قدّمتها وهي موقّعة من مهندسين عملتُ تحت إشرافهم. وطلبت مني اللجنة، أسوةً بمن هم في وضعي، تقديم امتحان خطي في مهنة السباكة
جورج تنّوري، معلّم سباكة

والنجاح في هذا الامتحان يتيح للمتقدّم مزاولة أعمال السباكة المنزلية. ويتكوّن الامتحان من أسئلة متعددة الخيارات، وغالباً ما تكون بعض الإجابات المعروضة متقاربة، لكنّ الإجابة الصحيحة واحدة. الامتحان بالفرنسية، لغة كيبيك الرسمية، وجورج تنّوري يتحدثها بصعوبة، وبالتالي تفوته أحياناً كثيرة الفروق الدقيقة بين إجابة وأُخرى بسبب نقصٍ في فهم اللغة، فكان أن رسب في الامتحان مرّتيْن في السنوات الماضية، وبفارق نقطتيْن فقط من أصل مئة نقطة في إحداهما.

وأخبرني جورج تنّوري أنه يحب مهنته كثيراً وأنه لو كان الامتحان تطبيقياً لأبدع فيه، وكم تمنّى لو توفّرت له ولمن لا يجيدون اللغة الفرنسية خدمةُ ترجمة ليفهموا الأسئلة جيداً ويجيبوا عليها.

وبما أنه لم يكن قادراً على مزاولة المهنة في كيبيك ولا يريد الاستفادة من خدمة الرفاه الاجتماعي، كما قال لي، عاد إلى لبنان ليتابع أعماله هناك ويؤمّن دخلاً للعائلة التي تكوّنت في كندا، إذ رُزق وزوجته بتوأم ثمّ بطفل ثالث بعد سنة. وكان يزور كندا ويقيم فيها فترات متفاوتة مع العائلة يعود بعدها إلى عمله في الوطن الأم.

صورة من الجوّ للأضرار الناجمة عن انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في 4 آب (أغسطس) 2020.

مسرح الانفجار الذي ضرب في 4 آب (أغسطس) 2020 مرفأ بيروت حاصداً أكثر من 200 قتيل و7500 جريح ومدمراً أجزاء واسعة من العاصمة اللبنانية.

الصورة: Getty Images

لكنّ الأوضاع الاقتصادية بدأت تتدهور في لبنان في السنوات الأخيرة وتسارعت وتيرة الانهيار الاقتصادي والمالي ابتداءً من صيف 2019، وفي 4 آب (أغسطس) 2020 وقع انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر أجزاء كاملة من العاصمة اللبنانية والذي يعتبره خبراء مختصون أكبر انفجار غير نووي في تاريخ البشرية.

وبسبب هذا الوضع الاقتصادي الشديد الصعوبة في لبنان عاد جورج تنّوري إلى كندا في الخريف الفائت عازماً على معاودة الكرّة للعمل في مهنته في مقاطعة كيبيك. فأخذ دروساً جديدة في اللغة الفرنسية، وهو كان قد أخذ بعضاً منها عاميْ 2017 و2018، وقبْل أقل من أسبوعيْن قدّم امتحاناً آخر لدى لجنة البناء في كيبيك ليزاول مهنة السباكة، وهو ينتظر النتيجة بفارغ الصبر.

أمّا رامونا نجم، زوجة جورج تنّوري، فمسيرتها مختلفة. هاجرت إلى كندا عام 2010 وتعرّفت إلى من ستقترن به خلال زيارةٍ لها إلى الوطن الأم، وكلاهما من مدينة زحلة في وسط لبنان. وعقب الزواج كفلت رامونا جورج كي يستطيع المجيء إلى كندا مهاجراً في إطار برنامج لمّ الشمل العائلي.

ورامونا نجم قابلة قانونية، حاصلة على إجازة (ليسانس أو بكالوريوس) في هذا المجال من الجامعة اللبنانية بعد دراسة أربع سنوات بدوام كامل. وهذا البرنامج، كما أخبرتني، يتضمّن مقررات دراسة التمريض بالإضافة إلى المقررات المتصلة باختصاص التوليد. وهي حائزة، في لبنان أيضاً، على دبلوم جامعي (20 وحدة) في تقنيات التوليد وعلى دبلوم دراسات عليا في إدارة المراكز الصحية.

وتعمل رامونا نجم كممرّضة في أحد مستشفيات مونتريال منذ شباط (فبراير) الفائت، واختارت العمل في قسم التوليد نظراً لخبرتها في هذا المجال. وهي تعمل بدوام ليلي، وهذا ليس خيارها، فكأمّ لثلاثة أطفال تتمنى لو أنّ بإمكانها العمل بدوام نهاري. لكنّ الأفضلية في الدوام النهاري تُعطى لمن لديهنّ أقدمية أكبر.

تقاطع جادتيْ ’’لو كوربوزييه‘‘ و’’تيسييه‘‘ في لافال، وتبدو في الصورة سيارات وإشارات مرورية.

تقاطع جادتيْ ’’لو كوربوزييه‘‘ و’’تيسييه‘‘ في محيط مكان إقامة جورج تنّوري وزوجته رامونا في حيّ شوميدي في لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

’’في كيبيك اعترفت وزارة الصحة بي كقابلة قانونية وبأني حاصلة على شهادة جامعية بمستوى بكالوريوس. أمّا نقابة الممرضات فاعترفت بي كممرضة لكنها طلبت مني متابعة تدريب تكاملي مدته 40 يوماً‘‘، تقول رامونا نجم.

لكنّ الأمور لم تكن سهلة بالنسبة لي واستغرقت وقتاً طويلاً يفوق المعتاد، إذ اعتُبرتُ قابلة قانونية لا ممرضة، وطُلب مني إحضار مستندات إضافية من لبنان حول خبرتي هناك كممرضة، واستغرقت المسيرة سنوات
رامونا نجم، ممرّضة مهاجرة درست في لبنان وتعمل في مونتريال

بعد إتمام التدريب التكاملي الذي ’’كان تقييمه جيداً‘‘ كان على رامونا نجم أن تقدّم امتحان نقابة الممرضات، ’’ونجحتُ فيه من المرة الأولى والحمد لله‘‘، تضيف محدّثتي.

وتتذكّر رامونا نجم تلك الفترة عام 2018، إذ كانت تغادر المنزل في الصباح الباكر إلى مستشفى ’’جان تالون‘‘ في مونتريال لمتابعة التدريب التكاملي، ومنه إلى مكان آخر بعد الظهر لمتابعة دورة إعدادية لامتحان النقابة. وكانت تتنقل بواسطة النقل المشترك، الباص والمترو. فكانت تعود إلى المنزل بين التاسعة والعاشرة ليلاً، منهكة القوى، وكان زوجها يهتم بالأطفال الثلاثة في تلك الفترة.

وعندما أنهت فترة التدريب تلقت رامونا نجم عرضاً للعمل كممرضة، لكن بما أنها لم تجد لأطفالها أماكن في أحد مراكز الرعاية النهارية (CPE) التابعة لحكومة كيبيك، وبما أنّ تجربة إرسالهم إلى دار حضانة في منزل عائلي لم تكن ناجحة، فضّلت الاهتمام بهم بنفسها ريثما يدخلون المدرسة.

أطفال أحداث يزاولون كرة السلة في حيّ شوميدي في لافال.

أطفال أحداث يزاولون كرة السلة في محيط مكان سكن جورج تنّوري وزوجته رامونا في حيّ شوميدي في لافال.

الصورة: Photo prise par Fadi Harouny

قدّمت رامونا طلباً للعمل كممرضة سريرية (infirmière clinicienne) في تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، بالتزامن مع عودة زوجها من لبنان، وحصلت على عقد مبدئي من أحد المراكز الجامعية المتكاملة للخدمات الصحية والاجتماعية (CIUSSS) في مونتريال (التابعة لوزارة الصحة الكيبيكية) يمنحها قبولاً كممرضة سريرية. لكنّ العقد النهائي الذي حصلت عليه كان لوظيفة ممرضة عادية.

وهذا الأمر أزعج رامونا نجم وجعلها تشعر بأنّ حقوقها مهضومة. فالممرضة العادية في كيبيك تحتاج لدبلوم دراسات في علوم التمريض من فئة (DEC) يستوجب إتمام ثلاث سنوات في معهد للدراسة ما بعد الثانوية (أي بعد 12 سنة من الدراسة في المرحلتيْن الابتدائية والثانوية في كيبيك). أمّا الممرضة السريرية فتحتاج لبكالوريوس جامعي في علوم التمريض.

من جهتها رامونا حاصلة على شهادة ليسانس (بكالوريوس) جامعية تستغرق أربع سنوات بعد 13 سنة من الدراسة في المراحل الابتدائية والتكميلية والثانوية في لبنان. هذا إضافة إلى أنها تملك خبرة 8 سنوات كقابلة قانونية وممرضة في لبنان.

المشكلة تقول رامونا هي أنّ شهادة الليسانس الحاصلة عليها في لبنان هي في مجال القِبالة، وإن كانت تتضمّن مقرّرات اختصاص التمريض. وبالتالي عوملت رامونا كما لو أنها حائزة على شهادة توازي شهادة (DEC) في التمريض فحُرمت من وظيفة الممرّضة السريرية التي يفوق راتبها راتب الممرّضة العادية كما أنه يرتفع بوتيرة أسرع.

كما أنّ المجال مفتوح أمام الممرضة السريرية لأن تتقدّم إلى وظائف عليا بعد اكتسابها خبرة مهنية، فيما هذا الأمر محدود جداً للممرضة العادية.

وقامت رامونا نجم بمراجعات عديدة لدعم طلبها بالاعتراف بها كممرضة سريرية، لكنها لم تحصل على ما تعبره حقاً لها. وفي النهاية قدّمت طعناً لدى النقابة وهي بانتظار النتيجة، ولذلك تفضّل التحفّظ عن ذكر اسم المستشفى الذي تعمل فيه حالياً.

زوجي يحب مهنته وأنا أحب مهنتي. أنا أحب مرضاي، عندما أعمل أعتبر نفسي أني أنا المريضة على السرير، وأخدم مريضي بالشكل الذي أتمنى أن اُخدم أنا به لو كنت مكانه. والشيء نفسه ينطبق على جورج، فهو منشد للكمال في مهنته. لذا من المؤسف أن تؤخّر أمور صغيرة أناساً يحبون عملهم عن إعطاء أفضل ما يمكنهم إعطاؤه، وهم في عزّ العطاء، للشعب الكندي الذي يحبونه والذي فتح لهم أبواب بلاده
رامونا نجم، ممرضة مهاجرة، درست في لبنان وتعمل في مونتريال

’’ما نتمناه هو أن نصل إلى الأفضل، ما نطمح إليه هو أن نتمكن من العمل في مهنتنا وأن نعيش بكرامة‘‘، يختم من جهته جورج تنّوري.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين