1. الصفحة الرئيسية
  2. مجتمع
  3. سياسة

شهادتان من لندن المفجوعة بمقتل أربعةٍ من أبنائها وبناتها المسلمين في هجوم كراهية

مسلمون راكعون يؤدون الصلاة في الشارع.

عدد من المؤمنين ركعوا للصلاة في الشارع خلال التجمع التضامني أمام مسجد لندن مساء أمس.

الصورة: La Presse canadienne / Nathan Denette

Fadi Harouny

احتشد الآلاف مساء أمس أمام مسجد مدينة لندن (نافذة جديدة) في مقاطعة أونتاريو تضامناً مع عائلة أفضال المفجوعة بمقتل أربعة من أفرادها وإصابة طفل في حادث دهس متعمَّد بواسطة شاحنة صغيرة مساء الأحد.

أجريتُ حديثاً مع اثنين من العرب النشطين في أوساط مسلمي لندن: اليوم مع الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن علي جمعة الذي ساهم في تنظيم التجمع التضامني، وأمس مع إمام ’’المركز الإسلامي لجنوب غرب أونتاريو‘‘ (ICSWO) في المدينة ورئيس ’’المعهد الإسلامي للحوار بين الأديان‘‘ (Islamic Institute for Interfaith Dialogue) الدكتور منير القاسم الذي ألقى كلمة في التجمّع. وتعدّ لندن نحو 400 ألف نسمة، من ضمنهم عشرات آلاف العرب والمسلمين.

المسلمون في لندن كما غير المسلمين تفاجأوا بحصول الحادث. في العادة نسمع عن حوادث تقع هنا وهناك، لكن لم يمرّ ببالنا أنّ مثل هذه الاعتداءات قد تحصل في مدينتنا لندن
علي جمعة، الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن

وأضاف علي جمعة، المولود في لندن في أسرة لبنانية مهاجرة، أنّه عند تنظيم الوقفة التضامنية أمس كان الهمّ الأول مراعاة العائلة المفجوعة، فممثلوها فضّلوا في البدء الابتعاد عن الحشود ووسائل الإعلام تجنباًَ للأسئلة التي قد تُطرح عليهم، لكنهم وافقوا فيما بعد وكان حضورهم مؤثِّراً جداً، لاسيما عندما وقفوا أمام الناس خلال دقيقة صمت حداداً على أرواح المغدورين الأربعة.

القتلى الأربعة في حادث الدهس المتعمَّد في لندن (أونتاريو) في صورة عائلية حديثة التُقطت في أحد المتنزّهات.

القتلى الأربعة ضحايا الهجوم المتعمَّد في لندن، من اليمن: سلمان أفضال ووالدته طلعت وزوجته مديحة وابنتهما يُمنى.

الصورة: Photo fournie par la famille Afzaal

والناجي الوحيد من حادث الدهس المتعمَّد هو الطفل فايز البالغ من العمر تسعة أعوام. وهو فقد والده سلمان (46 عاماً) ووالدته مديحة (44 عاماً) وشقيقته يُمنى (15 عاماً) وجدّته لوالده، طلعت (74 عاماً).

عندما أُخبر الطفل فايز بما حصل تفاجأ وسأل وكرّر السؤال: ’’هل رحلوا جميعاً؟‘‘. كان موقفاً حزيناً جداً
علي جمعة، الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن

كان ممثلو العائلة بحاجة لرؤية هذا التضامن الواسع أمس، فهم لا يزالون يتساءلون عن دوافع الاعتداء، أضاف علي جمعة.

سألتُ علي جمعة ما إذا كان متفائلاً بعد رؤيته الحشد الرسمي والشعبي الواسع أمس، وفي مقدمته رئيس الحكومة الفدرالية جوستان ترودو، فأجابني أنّ المستقبل القريب بالغ الأهمية.

’’أيّا تكن الإجراءات التي نتخذها الآن فهي شديدة الأهمية. لماذا؟ لأننا كمسلمين، وكغير مسلمين يبالون بما يحدث، إذا لم نسعَ لفهم أسباب الكراهية المتعاظمة ونتخذ إجراءات فعالة الآن سنواجه مشكلة كبيرة. والقرآن يطلب منا مواجهة الكراهية بالخير، لا مواجهته بالحقد، وأن نسعى لنكون مثالاً للناس‘‘، أجاب علي جمعة.

لكن نريد أولاً أن تفهم الحكومة كلّ ذلك. ومن هنا دعوتنا لمؤتمر حول الإسلاموفوبيا. وعندما نتحدث عن الإسلاموفوبيا فالأمر لا يخصّ الإسلام فقط، بل أيضاً السكان الأصليين والمواطنين السود
علي جمعة، الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن

وأضاف علي جمعة أنّ السود جاؤوا بأعداد كبيرة إلى الوقفة التضامنية أمس، وأنّه كان للسكان الأصليين حضور لافت أيضاً، مشيراً إلى أنّ جيرانه من السكان الأصليين ركعوا يصلون، على طريقتهم، أمام المسجد صباح أمس تضامناً مع الأسرة المفجوعة ومسلمي المدينة.

الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن علي جمعة جالساً على كنبة عليها أرائك.

الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن علي جمعة.

الصورة: Photo offerte par Ali Jomaa.

وأثنى علي جمعة على كبار المسؤولين، كرئيس الحكومة الفدرالية جوستان ترودو ورئيس حكومة أونتاريو دوغ فورد وعمدة لندن إد هولدر وسواهم، لاعتبارهم حادثة الدهس يوم الأحد ’’عملاً إرهابياً‘‘. أمّا كيف سينظر القضاء في الحادثة وهل ستوجّه تهمة ارتكاب عمل إرهابي لسائق الشاحنة، الشاب ناثانيال فيلتمان (20 عاماً)، فتلك مسألة ينبغي متابعتها برأي جمعة.

بالتالي لم ينتهِ عملنا أمس إنما هو بدأ أمس، لأننا إذا لم نُجرِ المتابعة اللازمة له فسينساه السياسيون وسواهم
علي جمعة، الرئيس السابق لمجلس إدارة مسجد لندن

وأضاف علي جمعة أنّ المسلمين سيحشدون طاقاتهم وأهل الكفاءة والاختصاص بينهم، من محامين وسواهم، وأنّ ما ينوون القيام به لن يعود بالنفع عليهم فقط بل على كلّ إنسان تعرّض للظلم.

وتحدثتُ إلى الدكتور منير القاسم أمس قبل انعقاد التجمع التضامني فقال لي إنه تحدث للتوّ مع قائد شرطة المدينة ستيف وليامز الذي أكّد له، من غير الإفصاح عن المعطيات التي بحوزته، أنه ’’على يقين‘‘ من أنّ سائق الشاحنة الصغيرة ’’نفّذ جريمته بسبب كراهيته للمسلمين‘‘.

طلبتُ من قائد الشرطة أن يعملوا جاهدين على مختلف المستويات للتأكد من أنّ هذه الجريمة البشعة النكراء ليست حادثة منفصلة عن الجو المسيطر على العالم، وإذا لم نصل إلى الأسباب الدافعة لارتكاب مثل هذه الجريمة فإنها ستتكرر بأشكال مختلفة
إمام المركز الإسلامي لجنوب غرب أونتاريو في لندن الدكتور منير القاسم
الداعية الكندي الدكتور منير القاسم حاملاً ميكروفون ومتحدثاً في حفل ونرى أمامه علميْن كندييْن صغيريْن.

الداعية الكندي الدكتور منير القاسم، إمام ’’المركز الإسلامي لجنوب غرب أونتاريو‘‘ في لندن.

الصورة: Munir El-Kassem / Facebook

وقال الدكتور القاسم إنّ قائد شرطة لندن ’’لم يكن مرتاحاً بنسبة 100% للربط بين جريمة الدهس في المدينة وبين أيّة واحدة من المجموعات الإرهابية التي بدأت تطفو على السطح وتعادي الإسلام بشكل علني‘‘، وأضاف أنّ ستيف وليامز قال له إنّ التحقيقات لا تزال مستمرة وإنّ الشرطة ستحاول الإسراع في إطلاع الرأي العام على نتائج التحقيقات.

هنالك الآن استعدادات لتشكيل لجنة متابعة لمعالجة كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا) لأنّ وجود مثل هذه الجرائم صار متتابعاً إلى درجة أننا بتنا نخشى من أين ستأتي الجريمة القادمة لا سمح الله
منير القاسم، رئيس المعهد الإسلامي للحوار بين الأديان

وأضاف الدكتور القاسم أنّ هذه الإسلاموفوبيا تأخذ أشكالاً مختلفة، من حوادث الإعتداء الشتاء الفائت على نساء مسلمات محجبات في إدمونتون وكالغاري، على التوالي عاصمة مقاطعة ألبرتا في غرب كندا وكبرى مدنها، إلى الهجوم المسلح على مسجد كيبيك الكبير في 29 كانون الثاني (يناير) 2017 الذي أوقع ستة قتلى عدا الجرحى والمعاقين، مروراً بقتل حارس مسجد في ضاحية ركسديل في تورونتو في تشرين الأول (أكتوبر) 2020 طعناً بالسكين، ’’والآن عملية دهس عائلة بأكملها‘‘.

’’كل ذلك أرسل موجات الخوف والهلع بين المسلمين وبخاصة النساء من بينهم، إذ بتن يخشين على أنفسهنّ من الخروج حتى لشيء بريء وهو من حقهنّ، ألا وهو التنزّه خلال وباء كورونا الذي سجن الناس في بيوتهم‘‘، أضاف الدكتور منير القاسم.

بصراحة هذا الخوف لا يتناسب مع شيء جميل اسمه كندا. نحن اخترنا هذا البلد العريق، المعروف بمحبته للسلام والوئام والتآخي بين الأديان والأعراق المختلفة، اخترناه لهذا السبب
الدكتور منير القاسم، إمام المركز الإسلامي لجنوب غرب أونتاريو في لندن

وأعرب محدّثي عن أسفه لأن تتحوّل كندا "إلى مثل غيرها من البلدان التي صار الناس يخشون على أنفسهم فيها‘‘، مضيفاً أنّ ذلك شيء مروّع ’’ولا نريد لكندا أن تنجرف إلى هذه المستويات من الكراهية بين أفراد العائلة البشرية الواحدة‘‘.

مصلّون في مسجد سقفه وجدراته بيضاء اللون.

مُصلّون داخل مسجد مدينة لندن في مقاطعة أونتاريو (أرشيف).

الصورة: La Presse canadienne / CP / Metro News London - Mark Spowart

ما الذي يمكن للمجتمع، من الناس العاديين إلى كبار المسؤولين السياسيين، أن يقوم به لتجنيب أناس أبرياء اعتداءات مثل حادث الدهس في لندن؟

’’هنالك مستويات مختلفة للتعامل مع كراهية الإسلام (الإسلاموفوبيا). لا أريد أن آخذ الطريق الدبلوماسي الذي يدور حول المشكلة دون أن يواجهها بشكل مباشر‘‘، أجاب منير القاسم.

’’الجوّ العالمي، وبخاصة ما شهدناه مؤخراً من اعتداء على حقوق الإنسان الفلسطينيي ومقتل الأطفال في غزة واكتشاف بقايا 215 جثة عائدة لأطفال في مدرسة داخلية للسكان الأصليين (في كاملوبس) في بريتيش كولومبيا في غرب كندا وغيرها من الأمثلة لم تأخذ نصيبها من الاهتمام المباشر‘‘ أضاف الدكتور القاسم

وجدنا أنّ الحكومة الفدرالية لم تأخذ موقفاً واضحاً تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة من فلسطين. اعتبرتْ ما يجري على الساحة الفلسطينية صراعاً وحرباً بين طرفيْن متساوييْن. وهذا ممّا يدفع الذين يجهلون التاريخ ويجهلون مثل هذه الأمور ولا ينتمون إلى تلك المنطقة بصلة، فيتحول ذلك إلى عداء للإسلام
الدكتور منير القاسم، إمام المركز الإسلامي لجنوب غرب أونتاريو

وقال منير القاسم ’’كما أننا لا نقبل بمعاداة السامية (معاداة اليهود)، كذلك يجب أن نرتفع إلى المستوى نفسه ونقول إنّ كراهية الإسلام هي كمعاداة السامية ويجب التعامل معها بالمستوى نفسه. هذا على المستوى الحكومي الفدرالي‘‘، وأضاف ’’وعلى الصعيد المحلي يجب أن نلاحق أؤلئك الذين يتخذون من أقنية التواصل الاجتماعي وسيلة لبث السموم التي تعبق بريح الكراهية‘‘.

منظر من الجوّ لمدينة لندن في مقاطعة أونتاريو، ونرى فيها أبنية وأشجاراً وطرقات.

منظر من الجوّ لمدينة لندن في مقاطعة أونتاريو.

الصورة: Adam Clovin / Wikipedia

وأشار الدكتور القاسم بقلق إلى رسائل ظهرت على مواقع التواصل بعد أن تبيّن أنّ عملية الدهس كانت متعمَّدة. وتضمّنت تلك الرسائل "كلاماً لا أستطيع حتى أن أعيده، كلاماً يشدّ على يد ذلك المجرم، يقول له: ’’أنت خلّصتنا من بعض المسلمين وننتظر اليوم الذي تكثر فيه مثل هذه الأعمال التي تمثل تطلعاتنا‘‘". هذا الكلام يجب التعامل معه، أكّد منير القاسم.

ووصف الدكتور القاسم رسائل الكراهية التي تتنقّل عبر وسائل التواصل بـ’’السموم التي تعمل بصمت في صفوف الناس‘‘ وقال إنه طلب من رئيس الشرطة في لندن أن تسارع وحدة مكافحة جرائم الكراهية إلى التعامل مع هذه ’’الجرائم التي تُرتكب في أقنية التواصل الاجتماعي‘‘ وملاحقة مرتكبيها ومقاضاتهم.

(تقرير من إعداد فادي الهاروني)

Fadi Harouny

العناوين